الخميس، 1 سبتمبر 2011

السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها


سيدات بيت النبوة
السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها
نسبها رضي الله عنها 
هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الاسدية امها فاطمة بنت زائدة بن الاصم و اسمه جندب بن هدم بن رواحه بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي
مولدها رضي الله عنها ولدت رضي الله عنها عام 68 قبل الهجرة النبوية الشريفة و كان ذلك قبل علم الفيل بخمس عشرة سنة تقريبا و هذه السنة توافق علم 556 ميلاديا كانت تدعى في الجاهلية "الطاهرة" فكأن الله تعالى طهرها و جهزها لدورها الخالد و قد تزوجت قبل رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا هالة و انجبت له هند بنت ابي هالة و هالة ابن ابي هالة ثم خلف عليها عتيق بن عابد و انجبت له هند بنت عتيق
زواجها بالرسول صلى الله عليه و سلم كانت السيدة خديجة رضي الله عنها تبعث رجالا يتاجرون في مالها نظير اجر فخرج الرسول صلى الله عليه و سلم بتجارتها الى الشام لما عرفت عن امانته و فضله و كان معه صلى الله عليه و سلم غلامها "ميسرة" و ما ان عاد الركب الى مكه حتى انطلق "ميسرة" يملأ سمعها بحديث مثير عن رحلته مع النبي صلى الله عليه و سلم حيث نزلوا بالقرب من صومعت راهب فجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم تحت شجرة فقال الراهب لميسرة انه لم يجلس تحت هذه الشجرة الا نبي كما تمكن الرسول صلى الله عليه و سلم من تحقيق ربح لم يتحقق من قبل للسيدة خديجة و هكذا نشئت العاطفة العظيمة داخل السيدة خديجة فعلى فبالرغم من انه لا توجد في قريش من تنافسها شرفا و نسبا الا انها ترددت هل يقبلها رسول الله صلى الله عليه و سلم و هي الكهلة ذات الاولاد...هل يستجيب لها "محمد" و قد انصرف عن عذارى مكة و زهرات بني هاشم النضرات فافضت بسرها الى صديقتها "نفيسة بنت أمية" و هونت "نفيسة" الامر عليها فهي ذات غنى و جمال و لا توجد من تفوقها نسبا و شرفا و كل قومها حريص على الزواج منها ذهبت "نفيسة" الى رسول الله صلى الله عليه و سلم ووجهت بلطف الى السيدة خديجة رضي الله عنها و كانت به رغبة فيها و لكنه لم يكن يملك ما يتزوج به فلما وجهته تقدم لخطبتها وتزوجها رسول الله
خير زوجة سارت الحياة المباركة بالزوجين السعيدين أحسن سير و كيف لا و ربها خير الخل أجمعين و ربتها خير نسائها و لما رأت السيدة خديجة حب رسول الله صلى الله عليه و سلم لمولاها زيد بن حارثه وهبته اياه فزادت محبتها في قلب رسول الله صلى الله عليه و سلم و كفل المصطفى لبن عمه على بن ابي طالب رضي الله عنه فكانت له خير ام و قد أكمل الله عز و جل عليهما السعادة فرزقهما الولد فولدت له القاسم –و به كان يكنى رسول الله صلى الله عليه و سلم- و عبد الله زينب و رقية و ام كلثوم وفاطمة وقد ما الاولاد الذكور رضعا و عاشت الاناث فامن برسول الله و هاجرن معه
أول المصدقين كانت انباء عن اقتراب ميعاد ظهور النبي الخاتم تتناقل في الجزيرة العربية لاسيما في مكة لكن احدا لم يكن يدري يقينا كيف و متى يكون المبعث المنتظر و كان رسول الله قد نزع الى التأمل فكان كثيرا ما يذهب الى غار حراء للتعبد و ما كانت "خديجة" في وقار سنها و جلال امومتها لتضيق بهذه الخلوات التي تبعده عنها احيانا او تعكر عليه صفو تأملاته بالمعهود من فضول النساء بل حاولت ما وسعها الجهد ان تحوطه بالرعاية و الهدوء ما قام في البيت فاذا انطلق الى غار حراء ظلت عيناها عليه من بعيد و ربما ارسلت وراءه من يحرسه و يرعاه و هكذا بدا كل شئ مهيأ لاستقبال الرسالة المنتظرة فلما جاء الوحي و هرع اليها رسول الله صلى الله عليه و سلم خائفا و نفض لديها مخاوفه قال "لقد خشيت على نفسي" و ضمته الى صدرها و قد اثار مراه أعمق عواطف الامومة فغي قلبها و هتفت في ثقة و يقين "الله يرعانا يا ابا القاسم أبشر يا بن العم و اثبت فوالذي نفس خديجة بيده اني لارجو ان تكون نبي هذه الامة و الله لا يخزيك الله ابدا انك لتصل الرحم و تصدق الحديث و تحمل الكل و تقري الضعيف و تعين على نوائب الحق" انساب صوتها رضي الله عنها لى فؤاد رسول الله ليبعث في نفسه الطمأنينة و الهدوء فانطلقت به الى ابن عمها "ورقة ابن نوفل" و كان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له خديجه "يا بن عم اسمع من ابن اخيك" فأخبره رسول الله صلى الله عليه و سلم بما حدث فقال له ورقة " هذا الناموس الذي نزل على موسىعليه السلام يا ليتني فيها جذعا ليتني اكون حيا اذ يخرجك قومك" فقال رسول الله "أومخرجي هم؟" قال "نعم لو يأت رجل بمثل ما جئت به الا عودي و ان يدركني يومك انصرك نصرا مؤزرا"
صبرها على الشدائد في سبيل الله رضي الله عنها للسيدة خديجة رضي الله عنها اكبر الفضل في الصبر على المحن و مساندة رسول الله و مواساته بالمال و الكلمة الطيبة التي تخفف عنه فقاست معه سنوات الحصار و اقامت ثلاث سنوات في شعب ابي طالب –عندما اعلنت قريش مقاطعتها للمسلمين-و هي الحسيبة الشريفة و زاد بلائها عدو الله ابو لهب عندما امر بنيه ان يطلقا ابنتيها
كرمها و برها رضي الله عنها شاء الله تعالى ان تكتمل فضائل امنا السيدة خديجة رضي الله عنها فكانت مثالا للكرم و البر و كانت تبر من يحبهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد أصابت الناس سنة جدب بعد زواجها من رسول الله صلى الله عليه و سلم و في هذه السنة جاءت حليمة السعدية زائرة فعادت من عنده و معها من مال الطاهره السيدة خديجة بعير يحمل الماء و اربعون رأسا من الغنم ووصل بر السيدة خديجة الى ابعد من ذلك حيث كانت "ثوبيه" أول مرضعة للرسول صلى الله عليه و سلم تدخل على النبي الكريم بعد ان تزوج الطاهره فكانت تكرمها و تصلها و فاء و كرما لزوجها رسول الله صلى الله عليه و سلم و لذلك كان النبي صلى الله عليه و سلم يجلها و يقدرها
عبادتها رضي الله عنها مكثت السيدة خديجة رضي الله عنها تصلي مع النبي صلى الله عليه و سلم الصلاة التي كانت و هي ركعتان في الغداة و ركعتان في العشي و ذلك قبل ان تفرض لصلوات الخمس في ليلة الاسراء ذكر الامام ابن اسحاق –رحمه الله- قال " حدثني بعض اخل العلم ان الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه و سلم اتاه جبريل و هو باعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت منه عين من ماء مزن فتوضأ جبريل و محمد عليهما السلام ثم صلى ركعتين و سجد اربع سجدات ثم رجع النبي صلى الله عليه و سلم و قد اقر الله عينه و طابت نفسه و جاءه ما يحبه من الله عز و جل فأخذ بيد خديجة حتى اتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين و سجد اربع سجدات هو و خديجة ثم كان هو و خديجة يصليان سرا
حب الرسول صلى الله عليه و سلم لها و قد احبها رسول الله صلى الله عليه و سلم حبا شديدا بلغ ان غارت منها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها و هي من هي حظوة عند رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها فذكرها يوما من الايام فادركتني الغيرة فقلت هل كانت الا عجوزا فقد ابدلك الله خيرا منها فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال "لا و الله ما ابدلني الله خيرا منها امنت بي اذ كفر الناس و صدقتني و كذبني الناس وواستني في مالها اذ حرمني الناس و رزقني الله منها أولادا اذ حرمني اولاد النساء"لاقالت عائشة فقلت في نفسي لا اذكرها بسيئة ابدا
و عن عائشة رضي الله عنها ايضا قالت "ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه و سلم ما غرت على خديجة و ما رأيتها و لكن كان النبي صلى الله عليه و سلم يكثر من ذكرها و ربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له كأنه لم يكن في الدنيا امراة الا خديجة ؟ فيقول "انها كانت و كانت و كان لي منها ولد" و مما يدل على مكانتها عند رسول الله صلى الله عليه و سلم انه لم يتزوج غيرها في حياتها و كان يقول صلى الله عليه و سلم "اني رزقت حبها"
و قد ظل صلى الله عليه و سلم على وفائه لذكراها و يدل على ذلك ما حدث في غزوة بدر الكبرى اذ أسر أبو العاص بن ربيع زوج زينب بنت الرسول صلى الله عليه و سلم فأرسلت الوفيه بنت الطاهره فداء لزوجها ابي العاص و من ضمن الفداء قلادة كانت قلدتها بها والدتها المعطاءة ليلة زفافها فلما راها رسول الله صلى الله عليه و سلم رق لها رقة شديدة و تذكر زوجه المباركة الوفية خديجة و قال لأصحابه "ان رأيتم ان تطلقوا أسيرها و تردوا لهل قلادتها فافعلوا"
و قد قال صلى الله عليه و سلم "خير نسائها مريم بنت عمران و خير نسائها خديجة" و قال ايضا صلى الله عليه و سلم "كمل من الرجال كثير و لم يكمل من النساء الا ثلاث مريم بنت عمران و اسية امرأت فرعون و خديجة بنت خويلد و فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"
حبها لرسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر في كتاب نزهة المجالس و منتخب النفائس انه قد ذكر في عقائق الحقائق ان النبي صلى الله عليه و سلم لما تزوج السيدة خديجة كثر كلام الحساد فيها فقالوا ان محمدا فقير و قد تزوج بأغنى النساء فكيف رضيت خديجة بفقره؟ فلما بلغها ذلك أخذتها الغيرة على رسول الله صلى الله عليه و سلم ان يعير بفقره فدعت رؤساء الحرم و أشهدتهم ان جميع ما تملكه لمحمد صلى الله عليه و سلم فان رضي بفقري فذلك من كرم أصله فتعجب الناس منها و انقلب القول فقالوا ان محمدا أمسى من أغنى أهل مكة و خديجة أمست من أفقر اهل مكة فأعجبها ذلك فقال بما اكافئ خديجة؟ فجاءة جبريل و قال ان الله يقرئك السلام و يقول لك مكافأتها علينا فانتظر النبي صلى الله عليه و سلم المكافأة فلما كان ليلة المعراج و دخل الجنة وجد فيها قصرا مد البصر فيه ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر فقال يا جبريل لمن هذا قال لخديجة فقال صلى الله عليه و سلم هنيئا لها لقد أحسن الله مكافأتها
بشارتها بالجنة و فقهها في الرد أتى جبريل صلى الله عليه و سلم النبي صلى الله عليه و سلم فقال "أقرئ خديجة من الله و مني السلام و بشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه و لا نصب" فقالت "ان الله هو السلام و على جبريل السلام و عليك السلام و رحمة الله و بركاته" و القصب هو اللؤلؤ المجوف و الصخب هو رفع الصوت و النصب هو التعب رحمك الله من فقيهه فقد عرقت ان الله لا يليق به ما يليق بخلقه فهو السلام كما ان السلام هو دعاء بالسلامة فلا يليق بالمولى الا الثناء بما هو اهله و كذلك من فقهها رد السلام على من بلغه
وفاتها رضي الله عنها توفيت أمنا خديجة رضي الله عنها في شهر رمضان سنة عشر من النبوة و هي يومئذ بنت خمس و ستون سنة و دفنت بالحجون و نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم في حفرتها و لم تكن يومئذ سنة الجنازة الصلاة عليها و كان ذلك قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات و بعد خروج بني هاشم من الشعب بوقت قليل و قد مات في نفس العام عم الرسول صلى الله عليه و سلم فشق ذلك عليه صلى الله عليه و سلم و سمي "عام الحزن" و لم يكن ذلك الا لحمايتهما الدعوة و للدور الذي قام به كل منهما و لم يؤذ رسول الله صلى الله عليه و سلم الا بعد موتهما
فضلها رضي الله عنها و في كتاب نزهة المجالس و منتخب النفائس ان السيدة فاطمة رضي الله عنها قالت بعد موت أمها و الله يا نبي الله لا ينفعني طعام و لا شراب حتى تسأل جبريل عليه السلام عن أمي فسأله فقال هي بين سارة و مريم في الجنة
و قال النبي صلى الله عليه و سلم أفضل نساء الجنة خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد و مريم بنت عمران و اسية بنت مزاحم امرأة فرعون
وفي رواية قال جبريل عليه السلام يا محمد ما نزلت من عند سدرة المنتهى الا و يقول الله تعالى يا جبريل سلم على خديجة
وعن معاذ رضي الله عنه قال قال رسول الله ذكر في كتب نزهة المجالس و منتخب النفائس لخديجة رضي الله عنها و هي في سكرات الموت أتكرهين ما قد نزل بك و الله لقد جعل الله لك في السكرة خيرا فاذا قدمت على ضراتك فأقرئيهن السلام مني مريم بنت عمران و اسية بنت مزاحم و كلثوم أخت موسى عليه السلام فقالت علي الوفاء يا رسول الله ذكره القرطبي


السيدة آمنة بنت وهب رضي الله عنها


سيدات بيت النبوة
السيدة آمنة بنت وهب رضي الله عنها
نسبها رضي الله عنها 
هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر و فهر هم قريش و زهرة هو الأخ الشقيق لقصي بن كلاب الجد الأكبر لرسول الله صلى الله عليه و سلم حيث أنجب قصي عبد الدار و عبد منافو عبد العزى و أنجب عبد مناف عبد شمس و نوفل و هاشم و المطلب و خويلد و أنجب هاشم عبد المطلب الذي أنجب عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه و سلم و جدها لأبيها هو عبد مناف بن زهرة الذي يقرن اسمه باسم ابن عمه عبد مناف بن قصي فيقال المنافان تعظيما و تكريما
و لم يكن نسب آمنه من جهة امها دون ذلك عراقة و أصالة فهي ابنة برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب و جدتها لامها أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي ووالدة أم حبيبة هي : برة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر سلالة عريقة أصيلة أنبتت آمنه لتضطلع بعبئها الجليل في امومتها التاريخية وراثات مجيدة أهدتها إلى ولدها فجمعت له عز المنافين : عبد مناف بن زهرة بن كلاب و عبد مناف بن قصي بن كلاب و جعلته صلى الله عليه و سلم يعتز بنسبه فيقول في حديث رواه ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا ...لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما
و في صحيح الحديث عن واثلة ابن الاسقع رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ان الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل و اصطفى قريشا من كنانة و اصطفى من قريش بني هاشم و اصطفاني من بني هاشم
بنو زهرة و بنو عبد مناف عرف بنو زهرة بالود الخالص لبني عبد مناف دون إخوتهم من بني عبد الدار و قد كان قصي بن كلاب حين كبر قد عز عليه إلا يبلغ ابنه البكر عبد الدار ما بلغه ابنه عبد مناف من شرف و رفعة فقال قصي لبكره : أما و الله يا بني لالحقنك بالقوم و ان كانوا شرفوا عليه : لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تفتحها أنت له و لا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك و لا يشرب احد بمكة إلا من سقايتك و لا يأكل احد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك و لا يقطع أمر من أمورها إلا في دارك ثم كان ما كان من إذعان قريش لوصية شيخها حينا ثم إجماع بني عبد مناف بن قصي ان يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار لشرفهم عليهم و فضلهم في قومهم فتفرقت عند ذلك قريش : فكانت طائفة مع بني عبد مناف يرون أنهم بمكانتهم من قومهم أحق بالأمر من بني عبد الدار ة كانت طائفة مع بني عبد الدار يرون إلا ينزع منهم ما كان قصي جعله إليهم و عقد كل فريق على أمرهم حلفا مؤكدا و قد كان بنو زهرة مع بني عبد مناف و كان بنو زهرة مع بني عبد مناف إخوة متجاورين لا ينفصلون و بيوتهم متجاورة كذلك كذلك كان بنو زهرة ممن سبقوا إلى تلبية النداء حين تداعت قبائل من قريش إلى حلف الفضول قبل البعثة بنحو من عشرين سنة و كان أكرم حلف و أشرفه و قد تعاهد أعضاء الحلف على إلا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها و غيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا أقاموا معه و كانوا على من ظلمه حتى ترد له مظلمته
زواج آمنة و عبد الله انصرف عبد المطلب اخذا بيد عبد الله –اثر افتدائه من الذبح- فخرج حتى أتى به وهب ابن عبد مناف بن زهرة و هو يومئذ سيد بني زهرة نسبا و شرفا فزوجه ابنته آمنه و استغرقت الأفراح ثلاثة أيام بلياليها كان عبد الله أثناءها يقيم مع عروسه في دار أبيها على سنة القوم ثم توجهت إلى دار زوجها في اليوم الرابع
البشرى نامت السيدة آمنه رضي الله عنها فرأت في منامها كأن شعاعا من النور ينبثق من كيانها اللطيف فيضئ الدنيا من حولها حتى لكأنها ترى به بصرى من أرض الشام و سمعت هاتفا يهتف بها : انك قد حملت بسيد هذه الأمة
وفاة عبد الله و ما هي إلا أيام معدودات لم يحددها الرواة و لكنها عند جمهرة المؤرخين لم تتجاوز عشرة أيام و رحل عبد الله تاركا عروسه ليلحق بالقافلة التجارية المسافرة إلى غزة و الشام في عير قريش و مضى شهر لا جديد فيه سوى ان آمنه شعرت بالبادرة الأولى للحمل و كان شعورها به رقيقا لطيفا و كأن المولود قد هون عليها مرارة فراق عن زوجها عبد الله زهرة شباب أهل مكة و مضى الشهر الثاني و لم يعد عبد الله ..لقد توفي الزوج الحبيب بين أخواله من بني النجار و دفن هناك و ترملت العروس الشابه و عاشت في وحدتها تجتر أحزانها حتى خاف عليها بنو هاشم و بنو زهرة ان تموت من فرط الحزن و الألم إلى ان انزل الله سكينته عليها فشغل تفكيرها ابنها الذي تحمله و الذي رأت في منامها انه سيكون سيد هذه الأمة
عام الفيل و ميلاد رسول الله صلى الله عليه و سلم و جاء عام الفيل و سمعت آمنه بقدوم ابرهه في جيش عظيم لهدم الكعبة و جاءها عبد المطلب يطلب اليها ان تتهيأ للخروج من مكة مع قريش و شق عليها ان تلد ولدها بعيدا عن البلد الحرام و في غير دار أبيه عبد الله ولكنها كانت مؤمنة بأن الله مانع بيته و لن يجعل للطاغية على البلد الحرام سبيل و مضى اليوم دون ان يأتيها رسول أبي طالب ليأخذها بعيدا عن مكة إلى ان غابت الشمس فجاءتها البشرى بهزيمة ابرهه و نجاة قريش و كانت الرؤى قد عاودت آمنه في صدر ليلة مقمرة من ليالي ربيع الأول و سمعت من يهتف بها من جديد انها توشك ان تلد سيد هذه الأمة و يأمرها ان تقول حين تضعه أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم تسميه محمدا و ما هي إلا أيام قليلة من يوم الفيل حتى ولدت آمنه في دار أبي طالب بشعب بني هاشم و اسند ابن سعد من عدة طرق عن السيدة آمنه رضي الله عنها انها قالت :رأيت كأن شهابا خرج مني حتى أضاءت منه قصور الشام
الرضيع و أقبلت ألام على صغيرها ترضعه ريثما تفد المراضع من البادية و لكن الأحزان لم تتركها فجف لبنها رضي الله عنها بعد أيام فدفعت به إلى ثوبيه جارية عمه عبد العزى فأرضعته و كانت قبله قد أرضعت عمه حمزة بن عبد المطلب و وفدت المرضعات من الباديه و لكنهن زهدن في الرضيع الذي مات أبوه قبل ان يحقق لنفسه غنى يذكر و ثقل على ألام ان ترى مراضع البادية يعدن إلى ديارهن زاهدات في ولدها الشريف اليتيم مؤثرات عليه أطفال الأحياء ممن يرجى منهم الخير الوافر
إلى ان جاءتها حليمة بنت أبي ذؤيب السعدي تلتمس محمدا و انتظرت ألام الوحيدة عودة ابنها حتى جاءت به السيدة حليمة و هو ابن الثانية و كأنه ابن أربع سنوات لما بدا عليه من علامات النضرة و النضج و الصحة و راحت السيدة حليمة تحدثها عن جو مكة شديد الحر فحملها قلبها النابض بالحب و الإيثار على مزيد من الاحتمال و التصبر
فعاد الرضيع إلى مراعي بني سعد مع السيدة حليمة ثم لم تمض إلا بضعة اشهر حتى عادت به و هي بادية القلق فسألتها السيدة آمنه بعد ان علمت قصة الملكين الذين شقا صدر رسول الله صلى الله عليه و سلم: أفتخوفت عليه من الشيطان ؟ ردت السيدة حليمة : نعم فقالت السيدة آمنه : كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل و ان لبني لشأنا أفلا أخبرك خبره؟ فقالت السيدة حليمة : بلى فحدثتها بما رأت و سمعت حين حملت به ثم قالت :فوالله ما رأيت من حمل أخف من حمله و لا أيسر منه وقع حين ولدته و انه لواضع يديه على الأرض و رافع رأسه إلى السماء.. دعيه عنك و انطلقي راشدة و عاد الوليد الطيب فبدد بنوره ظلال الكآبة التي كانت تغشي دنيا أمه في وحدتها و ترملها الباكر
و يعترف كتاب السيرة بما كان لها من اثر جليل في هذه المرحلة من عمر نبي الإسلام فيقول شيخهم ابن إسحاق : و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم مع أمه آمنه بنت وهب في كلاءة الله و حفظه ينبته الله نباتا حسنا و أثمرت عنايتها الفائقة فبدت على محمد صلى الله عليه و سلم بوادر النضج المبكر و رأت فيه وهو ابن السادسة مخايل الرجل العظيم الذي طالما تمثلته ووعدت به في رؤاها
رحلة النهاية وحدثت ألام العظيمة ابنها الطاهر عن رحلة تقوم بها إلى يثرب كي يزور قبر عبد الله الحبيب و فرح الابن و سره ان تصحبه أمه في زيارة لمثوى فقيدهما و ان يتعرف على أخواله المقيمين بيثرب و كان الجو صيفا و الشمس تلهب الصخور و تصهر الرمال ووصل الر كب إلى يثرب و مكثت السيدة آمنه و ابنها صلى الله عليه و سلم هناك شهرا ثم بدأت رحلت العودة التي سيظل ابن عبد الله صلى الله عليه و سلم يذكرها و أثناء العودة مرضت السيدة آمنه و أحست انه الأجل المحتوم و بكت حزنا على ابنها اليتيم فأخذ يجفف دمعها بيديه الصغيرتين إلى ان فاضت روحها و تركت في نفس وليدها ألما لم ينساه صلى الله عليه و سلم طوال حياته
ذكرى باقية عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : خرج النبي صلى الله عليه و سلم يوما و خرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر فجلس إليه فناجاه طويلا ثم ارتفع صوته ينتحب باكيا فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم ان رسول الله صلى الله عليه و سلم أقبل إلينا فتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : ما الذي أبكاك يا رسول الله فقد أبكانا و أفزعنا؟ فأخذ بيد عمر ثم أومأ إلينا فأتيناه فقال : أفزعكم بكائي ؟ فقلنا : نعم يا رسول الله فقال ذلك مرتين أو ثلاثا ثم قال : ان القبر الذي رأيتموني أناجيه قبر أني آمنه بنت وهب و إني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي
بك علياء بعدها علياء     تتباهى بك العصور و تسمو
الذي شرفت به حواء             فهنيئا به لآمنة الفضل
من فخار ما لم تنله النساء     يوم نالت بوضعه ابنة وهب
سلام على آمنه سيدة الأمهات أم الرحمة المهداة سيد الخلق أجمعين صلى الله عليه و سلم

غزاوت الرسول صلى الله عليه وسلم


غزوة بدر
سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقافلة قريش قد أقبلت من الشام إلى مكة ، وقد كان يقودها أبا سفيان بن حرب مع رجال لا يزيدون عن الأربعين . وقد أراد الرسول عليه الصلاة والسلام الهجوم على القافلة والاستيلاء عليها ردا لما فعله المشركون عندما هاجر المسلمون إلى المدينة ، وقال لأصحابه : " هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها " .
كان ذلك في الثالث من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة ، وقد بلغ عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، ومعهم فرسان وسبعون بعيرا . وترك الرسول عليه الصلاة والسلام عبد الله بن أم مكتوم واليا على المدينة . لما علم أبو سفيان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى أهل مكة يطلب نجدتهم . ولم وصل ضمضم إلى أهل قريش صرخ فيهم قائلا : " يا معشر قريش ، أموالكم مع أبي سفيان عرض لها محمدا وأصحابه لا أرى أن تدركوها " . فثار المشركون ثورة عنيفة ، وتجهزوا بتسعمائة وخمسين رجلا معهم مائة فرس ، وسبعمائة بعير .
جاءت الأخبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قافلة أبي سفيان قد غيرت اتجاه طريقها ، وأنه سيصلها غدا أو بعد غد . فأرسل أبو سفيان لأهل مكة بأن الله قد نجى قافلته ، وأنه لا حاجة للمساعدة . ولكن أبا جهل ثار بغضب وقال : " والله لا نرجع حتى نرد بدرا "
جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال لهم : إن الله أنزل الآية الكريمة التالية : (( و إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنهما لكم و تودون أنّ غير ذات الشوكة تكون لكم و يريد الله أن يحق الحق بكلماته و يقطع دابر الكافرين ))
فقام المقداد بن الأسود وقال : " امض يا رسول الله لما أمرك ربك ، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : (( قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا ليها فاذهب أنت و ربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ))
ولكن نقول لك : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون . فأبشر الرسول عليه الصلاة والسلام خيرا ، ثم قال :
" أشيروا علي أيها الناس ( يريد الأنصار ) . " فقام سعد بن معاذ وقال :
" يا رسول الله ، آمنا بك وصدقناك وأعطيناك عهودنا فامض لما أمرك الله ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد" فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " أبشروا ، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم " .
وصل المشركون إلى بدر ونزلوا العدوة القصوى ، أما المسلمون فنزلوا بالعدوة الدنيا . وقام المسلمون ببناء عريش للرسول صلى الله عليه وسلم على ربوة ، وأخذ لسانه يلهج بالدعاء قائلا : " اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ؟ اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم فلن تعبد في الأرض " . وسقط ردائه صلى الله عليه وسلم عن منكبيه ، فقال له أبو بكر : " يا رسول الله ، إن الله منجز ما وعدك ".
قام المسلمون بردم بئر الماء - بعد أن استولوا عليه وشربوا منه - حتى لا يتمكن المشركون من الشرب منه . وقبل أن تبدأ المعركة ، تقدم ثلاثة من صناديد قريش وهم : عتبة بن ربيعة ، وأخوه شيبة ، وولده الوليد يطلبون من يبارزهم من المسلمين . فتقدم ثلاثة من الأنصار ، فصرخ الصناديد قائلين : " يا محمد ، أخرج إلينا نظراءنا من قومنا من بني عمنا" فقدم الرسول عليه الصلاة والسلام عبيدة بن الحارث ، وحمزة بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب . فبارز حمزة شيبة فقتله ، وبارز علي الوليد فقتله ، وبارز عبيدة عتبة فجرحا بعضهما ، فهجم حمزة وعلي على عتبة فقتلاه . واشتدت رحى الحرب ، وحمي الوطيس . ولقد أمد الله المسلمين بالملائكة تقاتل معهم . قال تعالى : (( بلى إن تصبروا و تتقوا و يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ))وهكذا انتهت المعركة بنصر المسلمين وهزيمة المشركين ، حيث قتل من المشركين سبعون وأسر منهم سبعون آخرون . أما شهداء المسلمين فكانوا أربعة عشر شهيدا . ولقد رمى المسلمون جثث المشركين في البئر ، أما الأسرى فقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف 4000 درهم عن كل أسير امتثالا لمشورة أبي بكر ، أما من كان لا يملك الفداء فقد أعطه عشرة من غلمان المسلمين يعلمهم القراءة والكتابة . وهكذا انتصر المسلمون انتصارا عظيما بإيمانهم على المشركين الذين كفروا بالله ورسوله .
 
غزوة أحد
شعرت قريش بمرارة الهزيمة التي لقيتها في حربها مع المسلمين في بدر ، وأرادت أن تثأر لهزيمتها ، حيث استعدت لملاقاة المسلمين مرة أخرى ليوم تمحو عنها غبار الهزيمة .
 ذهب صفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل ، وعبد الله بن ربيعة إلى أبي سفيان يطلبون منه مال القافلة ليتمكنوا من تجهيز الجيش ، ولقد كان ربح القافلة ما يقارب الخمسين ألف دينار ، فوافق أبو سفيان على قتال المسلمين ، وراحوا يبعثون المحرضين إلى القبائل لتحريض الرجال .
اجتمع من قريش ثلاثة آلاف مقاتل مستصحبين بنساء يحضن الرجال عند حمي الوطيس .
وخرج الجيش حتى بلغ مكان ( ذو الحليفة ) قريبا من أحد .
سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم المشركين إليهم فاستشار أصحابه ، فقال الشيوخ : نقاتل هنا ، وقال الرجال : نخرج للقائهم . فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأي الرجال . لبس النبي صلى الله عليه وسلم حربته وخرج يريد لقاء المشركين ، فخرج من المدينة ألف رجل ، انسحب عبد الله بن أبي المنافق بثلث الجيش قائلا : ما ندري علام نقتل أنفسنا ؟
عسكر المسلمون عند جبل أحد ، ووضع الرسول عليه الصلاة والسلام خطة محكمة ، وهي أنه وضع خمسين رجلا على الجبل قادهم عبد الله بن جبير ، وأمرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بعدم التحرك سواء في الفوز أو الخسارة .
وبدأت المعركة ، وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتال الأبطال الموحشين ، وكاد جبير بن مطعم قد وعد غلامه وحشيا أن يعتقه إن هو قتل حمزة . يقول وحشي :
خرجت أنظر حمزة أتربصه حتى رأيته كأنه الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا ، فهززت حربتي ، حتى إذا رضيت عنها دفعتها إليه فوقعت في أحشائه حتى خرجت من بين رجليه ، وتركته وإياها حتى مات . لقد كان استشهاد حمزة نكبة عظيمة على المسلمين ، إلا إنهم قاوموا وصمدوا أمام قتال المشركين . ولقد قاتل مصعب بن عمير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل ، وراح قاتله يجري إلى قومه يخبرهم أنه قتل محمدا. وراحت قريش تجر أذيال الهزيمة ثانية ، حيث أن اللواء قد سقط على الأرض تطأه الأقدام .
رأى الرماة من فوق الجبل هزيمة المشركين ، وقال بعضهم : ما لنا في الوقوف حاجة . ونسوا وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ، فذكرهم قائدهم بها ، فلم يكترثوا بمقولته ، وسارعوا إلى جمع الغنائم . لاحظ خالد بن الوليد نزول الرماة ، فانطلق مع بعض المشركين والتفوا حول الجبل ، وفاجئوا المسلمين من الخلف ، فانبهر المسلمون وهرعوا مسرعين هاربين . وارتفعت راية المشركين مرة أخرى ، فلما رآها الجيش عاودوا هجومهم . ولقد رمى أحد المشركين حجرا نحو الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكسرت رباعية الرسول عليه الصلاة والسلام ، كما أنه وقع في حفرة كان أبو عامر الراهب قد حفرها ثم غطاها بالقش والتراب ، فشج رأس النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخذ يمسح الدم قائلا : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم !
نادى الرسول في أصحابه قائلا : هلموا إلي عباد الله .. هلموا إلي عباد الله . فاجتمع ثلاثون من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجمع جيشه ونظمه ، ولحق بالمشركين ليقلب نصرهم هزيمة وفرحهم عزاء . فلما ابتعدوا أكثر فأكثر .. تركهم وعاد للمدينة .
وهكذا ، أدركنا أن من خالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا يحسبن نفسه ناج من مصيره إلا إذا شمله الله برحمته التي وسعت كل شيء علما .

غزوة الخندق(الأحزاب)
عقد يهود بني النضير على الانتقام من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين أخرجوهم من ديارهم من المدينة ، وجعلوا همهم على أن يجعلوا جبهة قوية تتصدى أمام الرسول وأصحابه .
انطلق زعماء بني النضير إلى قريش يدعوهم إلى محاربة المسلمين ، فنجحوا في عقد اتفاق بينهما . ولم يكتف بنو النضير بتلك الاتفاقية ، وإنما انطلقوا أيضا إلى بني غطفان يرغبوهم في الانضمام إليهم وإلى قريش ، وأغروهم بثمار السنة من نخيل خيبر إذا تم النصر بنجاح .
وهكذا انطلق جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل يقودهم أبو سفيان بن حرب ، وذلك في السنة الخامسة من الهجرة من شهر شوال .
لما علم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالأمر ، استشار أصحابه وقادته في الحرب ، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق في مشارف المدينة ، فاستحسن الرسول والصحابة رأيه ، وعملوا به . كما أن يهود بني قريظة مدوا لهم يد المساعدة من معاول ومكاتل بموجب العهد المكتوب بين الطرفين .
كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتفقدون سير العمل ، فوجدوا صخرة كبيرة كانت عائقا أمام سلمان الفارسي ، حيث كسرت المعاول الحديدية ، فتقدم الرسول الكريم من الصخرة وقال : " باسم الله " فضربها فتصدعت وبرقت منها برقة مضيئة
فقال : " الله أكبر .. قصور الشام ورب الكعبة " ثم ضرب ضربة أخرى ، فبرقت ثانية ، فقال : " الله أكبر .. قصور فارس ورب الكعبة " . واستطاع المسلمون إنهاء حفر الخندق بعد مدة دامت شهرا من البرد وشظف العيش .
بدت طلائع جيوش المشركين مقبلة على المدينة من جهة جبل أحد ، ولكنهم فوجئوا بوجود الخندق ، حيث أنهم ما كانوا متوقعين هذه المفاجأة .
لم يجد المشركون سبيلا للدخول إلى المدينة ، وبقوا ينتظرون أياما وليالي يقابلون المسلمين من غير تحرك ، حتى جاء حيي بن أخطب الذي تسلل إلى بني قريظة ، وأقنعهم بفسخ الاتفاقية بين بني قريظة والمسلمين ، ولما علم الرسول عليه الصلاة والسلام بالأمر أرسل بعض أصحابه ليتأكد من صحة ما قيل ، فوجده صحيحا . وهكذا أحيط المسلمون بالمشركين من كل حدب وصوب ، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم ييأسوا من روح الله ، لأنهم كانوا على يقين بأن عين الله ترعاهم .
استطاع عكرمة بن أبي جهل وعدد من المشركين التسلل إلى داخل المدينة ، إلا أن عليا كان لهم بالمرصاد ، فقُتل من قُتل ، وهرب من هرب ، وكان من جملة الهاربين عكرمة .
وأخيرا ، جاء نصر الله للمؤمنين . فقد تفككت روابط جيش المشركين ، وانعدمت الثقة بين أطراف القبائل ، كما أرسل الله ريحا شديدة قلعت خيامهم ، وجرفت مؤنهم ، وأطفأت نيرانهم ، فدب الهلع في نفوس المشركين ، وفروا هاربين إلى مكة .
وحين أشرق الصبح ، لم يجد المسلمون أحدا من جيوش العدو الحاشدة ، فازدادوا إيمانا ، وازداد توكلهم على الله الذي لا ينسى عباده المؤمنين .
وهكذا ، لم تكن غزوة الأحزاب هذه معركة ميدانية وساحة حرب فعلية ، بل كانت معركة أعصاب وامتحان نفوس واختبار قلوب ، ولذلك أخفق المنافقون ونجح المؤمنون في هذا الابتلاء . ونزل قول الله تعالى : (( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلاً ليجزي الله الصادقين بصدقهم و يعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفوراً رحيماً و ردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً و كفى الله المؤمنين القتال و كان الله قوياً عزيزاً و أنزل الله الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم و قذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون و تأسرون فريقاً ))

غزوة تبوك
بعد فتح مكة ودخول الحجاز كلها في الإسلام ، خشي العرب التابعون للروم من المسلمين في بلاد الشام من قوة الإسلام . فقرر الروم غزو المسلمين . وجهزوا جيشاً كبيراً عسكروا جنوب بلاد الشام .
وصلت الأخبار إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فدعا إلى تجهيز جيش قوي يصد غزو الروم .
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن الظروف التي يمر بها صعبة ، وأن الأيام أيام قيظٍ وقحط . فبعث الرجال يحثون القبائل على الاشتراك في الجيش ، وحث الأغنياء على أن يجودوا بمالهم ، فتبرع عثمان بن عفان بعشرة آلاف دينار وتسعمائة بعيرٍ ،  ومائة فرس.كما تبرع أبو بكرٍ الصديق بكل ماله . وتبرع عبد الرحمن بن عوف بأربعين ألف دينار . وتبرعت النساء بحليهن وزينتهن من الذهب .
و تحرك جيش المسلمين إلى تبوك في شهر رجب من العام التاسع بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان عددهم ثلاثين ألفاً تقريباً . و أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم اللواء لأبي بكرٍ الصديق . وعسكر النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه في ثنية الوداع . وكان الحر شديداً للغاية ، وعانى المسلمون من عسرة الماء والزاد ، حتى اضطروا لذبح إبلهم وإخراج ما في كروشها فيعصرونه ويشربونه . لذلك سميت الغزوة بغزوة العسرة .
وقضى المسلمون في تبوك حوالي عشرين يوماً ، ولكن لم يجدوا هناك أحداً من الروم الذين رجعوا من حيث أتوا ، حينما علموا بمسير الجيش المسلم الذي يؤثر الموت على الحياة .
واستشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في مجاوزة تبوك إلى ما هو أبعد منها من ديار الشام . فأشار عليه الفاروق عمر بالعودة إلى المدينة . فاستحسن الرسول صلى عليه وسلم رأيه وعادوا إلى المدينة حامدين شاكرين  .

فتح مكة
بعد صلح الحديبية انضمت قبيلة بكر لقريش ، وانضمت قبيلة خزاعة لحلف المسلمين .
وكان بين بني بكرٍ وقبيلة خزاعة ثارات في الجاهلية ودماء ، وذات يومٍ تعرضت قبيلة خزاعة لعدوانٍ من قبيلة بكر الموالية لقريش ، وقتلوا منهم نحو عشرين رجلاً . ودخلت خزاعة الحرم للنجاة بنفسها ، ولكن بني بكرٍ لاحقوهم وقتلوا منهم في الحرم . فجاء عمرو بن سالم الخزاعي الرسول صلى الله عليه وسلم يخبرهم بعدوان قبيلة بكرٍ عليهم ، وأنشد الرسول صلى الله عليه وسلم شعراً :

يا رب إني  نـاشد   محمداً                     حلف أبـينا وأبيه الأتلدا

إنه قريشٌ أخلفوك المـوعدا                     ونقضوا ميثاقك  المؤكدا

فانصر رسول الله نصراً أعتدا                     وادع عباد الله يأتوا مدداً

فقال له رسول الله عليه وسلم : " نصرت يا عمرو بن سالم ، والله لأمنعنكم مما أمنع نفسي   منه " . ودعا الله قائلاً " اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها ".
وندمت قريش على مساعدتها لبني بكرٍ ، ونقضها للعهد ، فأرسلت أبا سفيانٍ إلى المدينة ليصلح ما فسد من العهد ، ولكنه عاد خائباً إلى مكة .
وأخذ رسول الله عليه وسلم يجهز الجيش للخروج إلى مكة . فحضرت جموعٌ كبيرة من القبائل .
ولكن حدث شيءٌ لم يكن متوقعاً من صحابي . وهو أن الصحابي حاطب بن أبي بلتعة كتب كتاباً بعث به إلى قريشٍ مع امرأة ، يخبرهم بما عزم عليه رسول الله عليه وسلم ، وأمرها أن تخفي الخطاب في ضفائر شعرها حتى لا يراها أحدٌ . فإذا الوحي ينزل على رسول الله عليه وسلم بما صنع حاطب ، فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ليلحقا بالمرأة . وتم القبض عليها قبل أن تبلغ مكة ، وعثرا على الرسالة في ضفائر شعرها .
فلما عاتب النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً اعتذر أنه لم يفعل ذلك ارتداداً عن دينه ، ولكنه خاف إن فشل رسول الله عليه وسلم على أهله والذين يعيشون في مكة .
فقال عمر : " يا رسول الله ، دعني أضرب عنق هذا المنافق " . فقال رسول الله عليه وسلم:
" إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدراً فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " .
وكان حاطب ممن حارب مع رسول الله عليه وسلم في غزوة بدر . فعفا عنه ، وتحرك جيش المسلمين بقيادة رسول الله عليه وسلم إلى مكة في منتصف رمضان من السنة الثامنة للهجرة . وبلغ عددهم نحو عشرة آلاف مقاتل . ووصلوا " مر الظهران " قريباً من مكة ، فنصبوا خيامهم ، وأشعلوا عشرة آلاف شعلة نار . فأضاء الوادي .
وهناك تقابل العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان . فأخذه العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام : " ويحك يا أبا سفيانٍ أما آن لك
أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ " .
فقال العباس : " والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئاً بعد " .
 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ويحك ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ "
فقال : " أما هذه فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً " .
وبعد حوارٍ طويلٍ دخل أبو سفيانٍ  في الإسلام . وقال العباس : " إن أبا سفيانٍ يحب الفخر فاجعل له شيئاً . فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " من دخل دار أبي سفيانٍ فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن " .
وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يري أبا سفيانٍ قوة المسلمين ، فحبسه عند مضيق الجبل . ومرت القبائل على راياتها ، ثم مر رسول الله صلى عليه وسلم في كتيبته الخضراء. فقال أبو سفيان : ما لأحدٍ بهؤلاء من قبل ولا طاقة .
ثم رجع أبو سفيانٍ مسرعاً إلى مكة ، ونادى بأعلى صوته : " يا معشر قريش ، هذا محمدٌ قد جاءكم فيما لا قبل لكم به . فمن دخل داري فهو آمن  ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ". فهرع الناس إلى دورهم وإلى المسجد . وأغلقوا الأبواب عليهم وهم ينظرون من شقوقها وثقوبها إلى جيش المسلمين ، وقد دخل مرفوع الجباه . ودخل جيش المسلمين مكة في صباح يوم الجمعة الموافق عشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة .
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة من أعلاها وهو يقرأ قوله تعالى : (( إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ))
واستسلمت مكة ، وأخذ المسلمون يهتفون في جنبات مكة وأصواتهم تشق عناء السماء : الله أكبر .. الله أكبر .
وتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرم ، وطاف بالكعبة ، وأمر بتحطيم الأصنام المصفوفة حولها . وكان يشير إليها وهو يقول : (( و قل جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً )) 
وبعد أن طهرت الكعبة من الأصنام أمر النبي عليه الصلاة والسلام بلالاً أن يؤذن فوقها .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل بكم ؟ " قالوا : " خيراً . أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريم " . فقال عليه الصلاة والسلام : " اذهبوا فأنتم الطلقاء".
فما أجمل العفو عند المقدرة ، وما أحلى التسامح والبعد عن الانتقام . ولننظر ما فعل الغالبون بالمغلوبين في الحربين العالميتين في قرننا هذا ، قرن الحضارة كما يقولون ، لنعلم الفرق ما بين الإسلام والكفر .
وهكذا ارتفعت راية الإسلام في مكة وما حولها ، وراح الناس ينعمون بتوحيد الله .

غزوة خيبر
ما كاد رسول الله عليه وسلم يعود من صلح الحديبية ، ويستريح بالمدينة شهراً من الزمن حتى أمر بالخروج إلى خيبر . فقد كان يهود خيبر يعادون المسلمين وقد بذلوا جهدهم في جمع الأحزاب في غزوة الخندق لمحاربة المسلمين .
وخرج رسول الله عليه الصلاة والسلام في مطلع العام السابع الهجري في جيش تعداده ألف وستمائة رجلٍ . وكانت خيبر محصنةً تحصيناً قوياً فيها ثمانية حصونٍ منفصلٌ بعضها عن بعض .وكان يهود خيبر من أشد الطوائف اليهودية بأساً وأكثرها وأوفرها سلاحاً .
والتقى الجمعان واقتتلوا قتالاً شديداً . واليهود يستميتون في الدفاع عنها . واستمر التراشق بينهم ست ليالٍ .
وفي الليلة السابعة وجد عمر بن الخطاب يهودياً خارجاً من الحصون فأسره وأتى به الرسول عليه الصلاة والسلام . فقال اليهودي : إن أمنتموني على نفسي أدلكم على أمرٍ منه نجاحكم. فقالوا : قد أمناك فما هو ؟ فقال الرجل : إن أهل هذا الحصد قد أدركهم اليأس وسيخرجون غداً لقتالكم . فإذا فتح عليكم هذا الحصد فسألوكم على بيت فيه منجنيق ودروع وسيوف يسهل عليكم بها فتح بقية الحصون.  وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله عليه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ))
فبات الناس ليلتهم كل منهم يتمنى أن يعطاها . فلما أصبح الصباح قال : " أين علي بن أبي طالب " ؟ فقالوا : هو يا رسول الله يشتكي عينيه . فدعاه ، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرأ بإذن الله ، فأعطاه الراية وقال له : " والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " .
ولما ذهب علي بن أبي طالب إليهم خرج مرحب اليهودي يختال في سلاحه فقتله . وأحاط المسلين بالحصون ، وحمل المسلمون عليهم حملة صادقة . فسقطت حصونهم حصنا بعد حصن . واستولى اليأس على اليهود وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الصلح على أن يحقن دماءهم ، فقبل الرسول عليه الصلاة والسلام ، وصارت أرضهم لله ولرسوله وللمسلمين .
وهكذا استولى المسلمون على خيبر ، وغنموا منها العديد من السلاح والمتاع .
وقد قتل من اليهود في هذه الغزوة ثلاثة وتسعون رجلا واستشهد من المسلمين خمسة عشر رجلا .
وكان من بين ما غنم المسلمون منهم عدة صحف من التوراة ، فطلب اليهود ردها فردها المسلمون إليهم . ولم يصنع الرسول عليه الصلاة والسلام ما صنع الرومان حينما فتحوا أورشليم وأحرقوا الكتب المقدسة فيها ، وداسوها بأرجلهم ، ولا ما صنع التتار حين أحرقوا الكتب في بغداد وغيرها .

غزوة مؤتة
في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة جهز رسول الله عليه وسلم جيشاً للقصاص ممن قتلوا الحارث بن عمير الذي كان رسول الله عليه وسلم قد بعثه إلى أمير بصرى داعياً له إلى الإسلام .
وأمر على الجيش زيد بن حارثة ، وقال عليه الصلاة والسلام : " إن أصيب زيدٌ فجعفر بن أبي طالب ، وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة ، فإن أصيب عبد الله فخالد بن الوليد" .
وانطلق الجيش وبلغ عددهم ثلاثة آلافٍ من المهاجرين والأنصار . وأوصاهم الرسول عليه الصلاة والسلام بأن لا يقتلوا امرأةً ولا صغيراً ، ولا شيخاً فانياً ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناءً .
ووصل الجيش إلى مكان يدعى " معان " في أرض الشام . وكان هرقل قد حشد مائتي ألف مقاتل لقتال المسلمين .
والتقى الجيشان غير المتكافئين عدداً أو عدة . وقاتل المسلمون قتال الأبطال . وصمدوا أمام هذا الجيش الضخم . وقاتل زيد بن حارثة حامل اللواء حتى استشهد ، فتولى القيادة جعفر بن أبي طالب ، وحمل اللواء بيمينه فقطعت ، ثم حمله بشماله فقطعت ، فاحتضنه بعضديه حتى ضربه رجلٌ من الروم فاستشهد ، فسمي بذي الجناحين حيث أبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء .
ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة وقاتل حتى استشهد . فأخذ الراية خالد بن الوليد . واستعمل دهاءه الحربي ، حتى انحاز بالجيش ، وأنقذه من هزيمة منكرة كادت تقع . فانتهز خالد فرصة قدوم الليل فغير نظام الجيش ، فجعل ميمنة الجيش ميسرة ، وميسرته ميمنة ، كما جعل مقدمة الجيش في المؤخرة ، ومؤخرة الجيش في المقدمة .
فلما أطل الصباح ، أنكرت الروم ما كانوا يعرفون من راياتهم ، وسمعوا من الجلبة وقعقعة السلام ، فظنوا أنهم قد جاءهم مدد . فرعبوا وانكشفوا ، وما زال خالد يحاورهم ويداورهم ، والمسلمون يقاتلونهم أثناء انسحابهم بضعة أيامٍ حتى خاف الروم أن يكون ذلك استدراجاً لهم إلى الصحراء . فتوقف القتال .
وهكذا تبدلت هزيمة جيش المسلمين إلى نصرٍ . وأي نصرٍ أكبر من صمود جيشٍ يبلغ عدده ثلاثة آلاف مقاتلٍ أمام جيشٍ عدده مائتا ألف مقاتلٍ .
وإنه لشيءٌ نادرٌ أن يقف جنديٌ واحدٌ أمام سبعين من الجنود المحملين بالسلاح ، ولكن قوة الإيمان هي التي جعلت المسلمين يصمدون أمام جيش العدو .

غزوة حنين
بعد أن فتح المسلمون مكة ، انزعجت القبائل المجاورة لقريش من انتصار المسلمين على قريش.
وفزعت هوازن و ثقيف من أن تكون الضربة القادمة من نصيبهم . وقالوا لنغز محمداً قبل أن يغزونا . واستعانت هاتان القبيلتان بالقبائل المجاورة ، وقرروا أن يكون مالك بن عوف سيد بني هوازن قائد جيوش هذه القبائل التي ستحارب المسلمين . وأمر رجاله أن يصطحبوا معهم النساء والأطفال والمواشي والأموال ويجعلوهم في آخر الجيش ، حتى يستميت الرجال في الدفاع عن أموالهم وأولادهم ونسائهم .
لما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك خرج إليهم مع أصحابه وكان ذلك في شهر شوال من العام الثامن للهجرة . وكان عدد المسلمين اثني عشر ألفاً من المجاهدين . عشرة آلف من الذين شهدوا فتح مكة ، وألفان ممن أسلموا بعد الفتح من قريش .
ونظر المسلمون إلى جيشهم الكبير فاغتروا بالكثرة وقالوا لن نغلب اليوم من قلة .
وبلغ العدو خبر خروج المسلمين إليهم فأقاموا كميناً للمسلمين عند مدخل وادي أوطاس ( قرب الطائف ) وكان عددهم عشرين ألفاً .
وأقبل الرسول صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى نزلوا بالوادي . وكان الوقت قبيل الفجر ، والظلام يخيم على وادي حنين السحيق . وفوجئ المسلمون بوابل من السهام تنهال عليهم من كل مكان . فطاش صوابها ، واهتزت صفوفهم ، وفر عددٌ منهم .
ولما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم هزيمة المسلمين نادى فيهم يقول :

أنا النبي لا كذب             أنا ابن عبد المطلب

وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم العباس أن ينادي في الناس ، فقال : يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين ، يا أصحاب الشجرة . فحركت هذه الكلمات مشاعر الإيمان والشجاعة في نفوس المسلمين ، فأجابوه : لبيك يا رسول الله لبيك .
وانتظم الجيش مرةً أخرى ، واشتد القتال . وأشرف الرسول صلى الله عليه وسلم على المعركة . وما هي إلا ساعة حتى انهزم المشركون ، وولوا الأدبار تاركين النساء والأموال والأولاد . وأخذ المسلمون ينهمكون في تكثيف الأسرى وجمع الغنائم . وبلغ عدد الأسرى من الكفار في ذلك اليوم ستة آلاف أسير .
وهكذا تحولت الهزيمة إلى نصر بإذن الله تعالى .
وكانت حنين درساً استفاد منه المسلمون . فتعلم المسلمون أن النصر ليس بكثرة العدد والعدة . وأن الاعتزاز بذلك ليس من أخلاق المسلمين . ومرت الأيام فإذا بوفد من هوازن يأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يعلن ولاءه للإسلام ، وجاء وفد من ثقيف أيضاً يعلن إسلامه . وأصبح الذين اقتتلوا بالأمس إخواناً في دين الله ...

 

وجهات النظر حول محمد


وجهات النظر حول محمد

 مقالات تفصيلية :تأييد شخصية محمد بن عبد الله و انتقاد شخصية محمد بن عبد الله



وجهة نظر المسلمين
 مقالات تفصيلية :تبرك و توسل و المولد النبوي و مديح نبوي و الصلاة على النبي
«ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد
يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع
يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حِلَق الجنة
فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر،
وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر»[415]
— محمد بن عبد الله


قصيدة البردة والتي اعتبرها كثير من المسلمين أنها أشهر قصيدة في المديح النبوي،[416][417] وقيل إنها أشهر قصيدة في الشعر العربي بين العامة والخاصة،[418] كتبها البوصيري في أوائل القرن 7 الهجري الموافق القرن 11 الميلادي
بحسب تعاليم الإسلام فإنّ محمدًا هو أشرف المخلوقات وسيّد البشر جميعًا،[2][419] وأنه آخر الأنبياء والمرسلين، وأن الإيمان به وتصديق نبوّته واجب على المسلمين لا يتم إيمانٌ إلا به ولا يصحّ إسلامٌ إلا معه،[420] وأن طاعته وامتثال أمره واجب عليهم، باعتبارها من طاعة الله، وأنه مجمع الآداب كلّها،[421] والأسوة الحسنة التي ينبغي على كل إنسان التأسي بها،[422] وأنه باب الله الأعظم ووسيلته الكبرى التي لا يصل بدونه أحد إلى الله، يقول الجنيد «الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا على مَن اقتفى أثر الرسول  واتَّبع سُنَّته ولزمَ طريقته؛ فإن طُرُقَ الخيرات كلها مفتوحة عليه».[423] وقد توعّد الإسلام المسلمين بالخذلان والعذاب على من خالف أمره وبدّل سنّته.[424] ويعتبر الإسلام الاحتكامَ إليه والرضى بحكمه شرطًا للإيمان.[425][426] وقد أجمع المسلمون على حرمة أذيّته، وقتل منتقصيه وسابّه من المسلمين تصريحًا كان أو تعريضًا.[427] وكذلك أجمعوا على عصمته من الشيطان وكفايته منه في كل أحواله،[427] وأنه إنسان كامل من كلِّ النواحي، منزَّه عن كلِّ عيبٍ أو نقصٍ، وأنه أُعطي الحسن والجمال كلّه.[3] قال البوصيري في قصيدة البردة:
فـهْـوَ الـذي تَمَّ معناهُ وصُورَتُه ثـمَّ اصْـطَفَاهُ حَبيباً بارِىءُ النَّسَمِ
مُـنَـزَّهٌ عَـنْ شَرِيكٍ في محاسِنِهِ فَـجَـوْهَرُ الحُسْنِ فيه غيرُ مُنْقَسِمِ


«الصلاة الإبراهيمية»، أحد الصيغ المنتشرة عند كل المسلمين في الصلاة على النبي[428]
وقد وردت نصوص في كتب الحديث تفيد بأنه كان يَرى من خلفه كما يرى من أمامه،[429] وأنه يرى في الليل كما يرى بالنهار،[430] وأنه لم يكن له ظلّ، وأنه أُعطي مفاتيح خزائن الأرض، وأن كل سبب ونسب مقطوع يوم القيامة إلا سببه ونسبه،[431] وأنه يشفع للمسلمين يوم القيامة في إدخالهم الجنة،[430] وأنه حيّ في قبره،[432] يردّ السّلام على من يسلّم عليه،[433] وأن أعمال المسلمين تُعرض عليه فيستغفر لسيئها ويستحسن حسنها،[434] وأن الصلاة في مسجده تعدل 1000 صلاة،[435] وقد اعتبر عدد من علماء أهل السنة زيارةَ قبره من أقرب القُرُبات إلى الله،[436][437][438] وأن قبره هو أفضل بقعة على الأرض بالإجماع كما نقله القاضي عياض،[439][440][441] ويعتقد بعض المسلمين بأن الله قد خلق العالم كله من أجله.[442] وكذلك انتشر بين المسلمين التوسل به في دعائهم، معتقدين أن ذلك أرجى لاستجابة دعائهم من الله لما لمحمد من جاه ومكانة عند الله،[443] وبعض هذه الأقوال رفضها علماء السلفية، حيث ينكر ابن تيمية وابن عبد البر الإجماع الذي حكاه القاضي عياض في فضل قبر النبي على سائر البقاع وينحصر اعتقادهم في أن القبر قد شرف بمقام النبي،[444][445] كما لا يرون جواز تخصيص قبر النبي بالزيارة مستندين لأقوال للإمام مالك وعدد من علماء المالكية والشافعية والحنابلة على حرمة السفر لزيارة القبور.[446] فيما يرى ابن باز القول بأن الله خلق الخليقة لأجل النبي من أقوال العامة وهو كلام باطل فاسد لا أساس له، وأن الله ما خلق الخليقة إلا لأجل عبادته.[447]
ويعتبر الإسلام محبّةَ محمدٍ أصلاً من أصول الإسلام، وأحدَ شروط صحة الإيمان، وأن المسلمَ لا يبلغُ كمالَ الإيمانِ حتى يحبّ محمدًا أكثر من أي شيء آخر، يقول عن نفسه «لا يؤمن أحدكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده والنَّاس أجمعين».[448] لذلك أحبه أصحابه والمسلمون حبًا شديدًا، حتى سُئل علي بن أبي طالب يومًا عن حبّهم لمحمد فقال «كان والله أحبَّ إلينا من أموالنا وأولادنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظَّمأ»،[449] ولما احتضر بلال بن رباح أخذ يقول وهو يموت «واطرباه، غدًا ألقى الأحبّة، محمدًا وحزبه»، وكان أصحابه بعد موته لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا، حبًا وشوقًا له.[449] وكان يقول محمد عن محبة أتباعه له من بعده «من أشدّ أمّتي لي حُبًا، ناسٌ يكونون بعدي، يودّ أحدهم لو رآني بأهله وماله».[450]


محراب النبي محمد الذي كان يصلي فيه في المسجد النبوي، والذي يتدافع المسلمون عنده حرصًا منهم على الصلاة فيه


اسم النبي «محمد» منقوشًا على جميع أبواب المسجد النبوي
ثم إن المسلمين قد دأبوا على تعظيم محمد وإجلاله وإكرامه وتوقيره اتباعًا لأوامر الإسلام،[451] فكانوا في حياته لا ينادونه باسمه مجردًا،[427][452] ولا يرفعون أصواتهم فوق صوته،[453] وكانوا في مجلسه كأنما على رؤوسهم الطير من الهيبة.[454] وكان من مظاهر تعظيمهم له أن كانوا يتبركون به وبآثاره،[معلومة 19] فكانوا يتبركون بفضل ماء وضوءه، وبعرقه، وبثيابه، وآنيته، وبمسّ جسده، وبموضع قدمه[455] وبماء جبّته، وبشعراته، وكانوا يستشفون بها من المرض.[456][457] وكان خالد بن الوليد يحتفظ بشعرات للنبي محمد في مقدمة قلنسوته،[458] وكانت أسماء بنت أبي بكر تحتفظ بجبّته بعد موته وتقول «كان النبي  يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يُستشفى بها».[459] وكان عبد الله بن عمر يتتبع الأماكن التي كان يصلي بها النبي محمد، فيصلي فيها.[460][461]
ويُكثر المسلمون من تسمية أبناءهم باسم «محمد»، إذ تشير الإحصائيات بأن اسم «محمد» هو الاسم الأكثر شيوعًا في العالم،[462] وأكثر الأسماء للمواليد الجدد في بريطانيا سنة 2009.[463] وقد اعتاد معظم المسلمين في كل البلاد الإسلامية منذ القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، على الاحتفال بمولد محمد،[464] فيقيمون مجالسَ لسماع سيرته، والصلاة والسلام عليه، وسماع المدائح في حقه، وذلك في كل أوقات العام وعند كل فرصة يقع فيها فرح أو سرور، ويزداد ذلك في شهر مولده ربيع الأول، وفي يوم مولده وهو الإثنين،[465] فيما ينكر أتباع السلفية مثل هذه الاحتفالات باعتبارها بدعة دخيلة على الإسلام. وكذلك انتشر بين المسلمين لون من ألوان الشعر العربي الخاص بمدح محمد وذكر خصائصه وفضائله ونظم سيرته، ما عُرف بالمديح النبوي، حيث يُرجع الباحثون نشأته في حياة محمد، إذ كان يمدحه أصحابه مثل حسان بن ثابت وكعب بن زهير،[466] ولكنه ازدهر مع الشعراء المتأخرىن وخاصة مع البوصيري في القرن السابع الهجري بقصيدته البردة،[467] والتي تُعد من أهم قصائد المديح، وأكثرها انتشارًا،[466] وقد ازدادت شهرتها إلى أن صار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن.[468] ويعمل المسلمون على تمييز اسم محمد عند حديثهم عنه، فعادة ما يُشار إليه "رسول الله" أو "سيّدنا محمد" أو "النبي"، ويتبعون اسمه بالصلاة والسلام عليه بقولهم "عليه الصلاة والسلام" أو "صلّى الله عليه وسلّم" أو "صلى الله عليه وآله وسلم" وغيرها من الصلوات الأخرى، اتباعًا لأمر قرآني بالصلاة عليه فضلاً عن وجود أحاديث تحثّ على ذلك وتحذّر من تركها،[469] قال «أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة».[470]


وجهة نظر اليهودية
يوجد تقليد في اليهودية يعترف بوجود أنبياء غير يهود ارسلهم الله من أجل هداية شعوبهم، ومنهم مثلاً بلعام وأيوب الذين لم يكونا من العبرانيين. وقد اختلفت وجهات نظر كبار علماء الدين اليهود في محمد بدرجة كبيرة, فرأى العالم اليهودي اليمني نثنائيل ابن الفيومي في كتابه "بستان العقول" أن الله قد يرسل أنبياء لا تتفق رسالتهم مع المعتقدات التي أتى بها الأنبياء اليهود. ويعتبر الفيومي محمد نبياً صادقاً غير أن رسالته موجهة إلى العرب بشكل خاص وليست لليهود وذلك لتعارضها مع التوراة.[471][472] غير أنه من الملاحظ أن نظرة الفيومي لم تلق قبولاً واسعاً بين اليهود في عصره.[473]
ويرى موسى بن ميمون أهم اللاهوتيين اليهود في العصور الوسطى أن محمدا قد انتقى بعض التعاليم اليهودية في رسالته وأضاف إليها عبادات أخرى. ويرى ميمون أن محمداً كان نبياً كاذباً ويعتبر ادعاءه النبوة غير ذي مصداقية لأنه يخالف التقليد التوراتي اليهودي.[474] كما يرى أن كون الرسول أمياً يمنعه من الوصول لمرتبة الأنبياء.[475]



وجهة نظر المسيحية
يعتبر يوحنا الدمشقي (676-749 م) أول من أعطى رأيًا مسيحيًا عنه، ففي كتابه "ينبوع الحكمة" اعتبره نبيًا كاذبًا تأثر بالهرطقة الآريوسية بعد لقائه بالراهب بحيرا واستعمل القرآن لتغطية آثامه.[476] وتعتبر أعماله هي الأساس الذي أعتمد عليه اللاهوتيون الغربيون في انتقاد الإسلام. غير أن النظرة المشرقية لمحمد اتسمت بانفتاح أكبر، فعندما سأل الخليفة العباسي المهدي بطريرك النساطرة طيموثاوس عن رأيه في محمد، أجاب:"كان يمشي على خطا الأنبياء".[477] غير أن الصدامات اللاحقة مع المسلمين في الأندلس وفلسطين أدت إلى ظهور تيار مغالي في انتقاد الإسلام واشتد هذا التيار بعد حروب الأوروبيين مع العثمانيين خاصة لدى المصلحين البروتستانت؛ فقارن مارتن لوثر محمدًا ببابا روما من حيث السوء ووصفه "بالابن البكر للشيطان".[478]
وصف الدفاعيون الكاثوليك محمدًا في مطلع القرن العشرين على أنه مصلح اجتماعي، غير أن رسالته انطلقت من فهم خاطيء لليهودية والمسيحية. وأشاد "هيلير بيلوك" أحد أبرز الدفاعيين الكاثوليك في مطلع القرن العشرين برسالة الرسول التي وضعت مكانة خاصة للمسيح وأمه مريم، غير أنه اعتبر أنه لم يأت بديانة جديدة بل رأى أن الإسلام هرطقة يهودية/مسيحية دمجت بها بعض من ديانات العرب.[479] ومنذ انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني ظهرت أصوات داخل الكنيسة الكاثوليكية تدعو للاعتراف بنبوة محمد في ظل التقاليد المسيحية وذلك لخلق فرصة أكبر للحوار مع الإسلام. ويشبه مونتغمري وات محمد بأنبياء العبرانيين في كتابه "حقيقة دينية لعصرنا":[480]
«كان محمد نبيًا يمكن مشابهته بأنبياء العهد القديم، على أن وظيفته اختلفت قليلًا. فبينما انتقد هؤلاء حياد العبرانيين عن ديانتهم، كان على محمد أن يجلب معرفة الله لأشخاص لم يكن لهم سابقًا علم بها. فبهذا المنطلق تشبه وظيفته وظيفة موسى حيث تم بواسطتهما نقل شريعة إلهية لشعبيهما.»



وجهة نظر الغرب
تقول الناقدة والباحثة السورية "رنا قباني" أنه خلال القرون الوسطى لم تكن الحرب بين أوروبا والإسلام عسكرية منحصرة في تركيا أو إسبانيا، بل كانت حربًا ثقافية أيضًا، فالغرب دأب منذ القرن الثاني عشر على اختبار الإسلام ليس كحضارة بل كقوة غازية،[481] فأدّى ذلك بالإضافة إلى انتشار الجهل وغياب الدقة في الترجمة واختلاق الأساطير والميل نحو المثير - كما تبرر قباني - إلى إنتاج موروث أدبي معاد للإسلام كان أحد أوجهه الاعتقاد بكون النبي محمد "عدو للمسيح"،[482] وتصويره بطريقة مُسفة تحمل في ثناياها مقدارًا كبيرًا من الإمعان في الأسطورة، وتعزيز لنظرية العداوة.[481] حتى أنّ "جيرالد الويلزي" أحد أوائل الإنكليز الذين كتبوا حول الإسلام، قال بأنه ثمّة خطة إسلامية للقضاء على المسيحية.[481]
مع عصر التنوير في القرن السابع عشر وظهور العلاقات التجارية المميزة بين أوروبا والدولة العثمانية، وما رافقها من زيارات لأوروبيين أو تجار إلى مدن الشرق أخذت الصورة عن الإسلام والنبي تتغير، وأخذت أوروبا تنتج موروثًا جديدًا، قال "فيكتور هوغو" عام 1829 «إنّ الدراسات عن الشرق تمضي قدمًا، وبينما كنا في السابق إغريقيي الهوى أصبحنا استشراقيين»،[483] وهذه "الدراسات عن الشرق" التي عاصرت ميلاد الحركة العلمية والنقدية في أوروبا أنصفت النبي محمد، فقد قال عنه الشاعر الفرنسي ألفونس دي لامارتين «أترون أن محمدًا كان صاحب خداع وتدليس، وصاحب باطل وكذب؟! كلا. بعدما وعينا تاريخه، ودرسنا حياته، فإنَّ الخداع والتدليس والباطل والإفك، كل تلك الصفات هي ألصق بمن وصف محمدًا بها».[484] وقال عنه المؤرّخ الإنجليزي "وليم موير" «امتاز محمد بوضوح كلامه، ويسر دينه، وأنه أتم من الأعمال ما أدهش الألباب، لم يشهد التاريخ مصلحًا أيقظ النفوس، وأحيا الأخلاق الحسنة، ورفع شأن الفضيلة في زمن قصير كما فعل محمد».[484][485] وهذا لا ينفي أن بضعًا من البحّاثة الأوروبيين ظل محتفظًا وبنسب متفاوتة بصورة القرون الوسطى التقليدية، غير أن أهميتها وتأثيرها على الشارع العام أخذ بالانحسار.[483] واستمرّ ذلك خلال القرن العشرين، إلا أنه وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر تصاعدت موجة خوف من الإسلام بسبب الخلط بين تصرفات المتطرفين الإسلاميين ورسالة الإسلام بشكل عام.[486][487] فظهر فئات من الغرب يُرجعون سبب العنف الموجود في العالم الإسلامي إلى تعاليم محمد، فأنتجوا أعمالاً ينتقدون فيها محمدًا مثل كتاب نبي الخراب، وفيلم فتنة، والرسوم الكاريكاتورية في صحيفة يولاندس بوستن.



وجهات نظر أخرى
البابية والبهائية والأحمدية تعتبر محمدًا أحد الأنبياء والرسل، لكنه ليس آخرهم، فهناك من بعده حسب رأيهم الباب والبهاء وغلام أحمد القادياني.[488][489][490]
في ديانة الثيليما يعد محمد أحد قديسي "الكنيسة المعرفية الكاثوليكية".
يعده ناناك مؤسس الديانة السيخية أحد رسل البراهما.[491]
كما تعتبره كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة من الإصلاحيين، مثله مثل كونفوشيوس، وكذلك الفلاسفة مثل سقراط وأفلاطون وغيرهم، وسيأخذون الجزاء عند الله على ضوء القيم الأخلاقية التي أعطيت لهم، ولدعوتهم للتنوير وتحقيق مستوى أعلى من التفاهم بين الناس.[492]

حياته الشخصية


حياته الشخصية

زوجاته
 مقال تفصيلي :أمهات المؤمنين
زوجات محمد يُعرفن في الإسلام بأمهات المؤمنين، وقد اختُلف في عدد زوجات النبي اللاتي دَخَل بهنّ على قولين؛ أنهنّ إثنتا عشر أو إحدى عشر،[383] وسبب الاختلاف هو في مارية القبطية، هل هي زوجة له أم ملك يمين. فالمتَّفق عليه من زوجاته إحدى عشرة. القرشيات منهنّ ست، هن: خديجة بنت خويلد، وسودة بنت زمعة، وعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم سلمة، وأم حبيبة.والعربيات من غير قريش أربع، هن: زينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة، وميمونة بنت الحارث. وواحدة من غير العرب وهي صفية بنت حيي من بني إسرائيل. وتبقى مارية القبطية وهي من مصر. وتوفِّيت اثنتان من زوجات النبي محمد حال حياته، وهما خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة، وتُوفي هو عن تسع نسوة.[383]


زوجات محمد بن عبد الله والمعروفات بأمهات المؤمنين


أبناؤه
 مقال تفصيلي :أهل البيت
كان لمحمد من الأولاد ثلاثة بنين وأربع بنات، جميعهم من زوجته خديجة إلا إبراهيم فهو من مارية، وكل أولاده ماتوا في حياته إلا فاطمة فإنها توفيت بعده.[384] وأولاده البنين هم: القاسم (وبه يُكنّى، توفي وعمره عامان)[53] وعبد الله (الطّيّب الطاهر) وإبراهيم (عاش في المدينة سنة ونصف)،[53] وأما البنات فهنّ: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة. بينما يرى الشيعة أن فاطمة هي البنت الوحيدة لمحمد، وأن رقية وزينب وأم كلثوم كل منهن ربيبة النبي محمد (أي قد نشأت في بيته)، وأنهن في الحقيقة بنات هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد، وأن العرب تطلق على ربيبة الرجل أنها ابنته.[385] تزوج زينب قبل الهجرة ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، وأما رقية وأم كلثوم فقد تزوجهما عثمان بن عفان الواحدة بعد الأخرى، وأما فاطمة فتزوجها علي بن أبي طالب بين بدر وأحد،[386] وليس في بناته من كانت لها ذرية إلا ما كان من ذرية فاطمة،[53] فكان لها الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم.
[عدل]مواليه وخدامه
امتلك محمد عددًا من الموالي، منهم: زيد بن حارثة (وكان قد تبنّاه قبل الإسلام قبل إلغاء التبني) وابنه أسامة، وثوبان بن بجدد وأبو هند، وأبو لبابة، وأبو رافع.[53] ومن الإماء امتلك مارية القبطية (على خلاف في أنه هل أعتقها فتزوجها أم لا)، وريحانة بنت زيد (إحدى سبايا بني قريظة).[386] وأما خدامه، فكان ألزمهم خدمة للنبي محمد أنس بن مالك، وكان يخدمه أيضًا بلال بن رباح، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر الغفاري، وغيرهم.[53]



أسماؤه


أسماء النبي محمد مكتوبة على طول الجدار القبلي في المسجد النبوي
 مقال تفصيلي :أسماء النبي محمد
ورد في التراث الإسلامي أنه كان لمحمد عدّة أسماء، فكان يقول عن نفسه «إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب»،[387] وقال أيضًا «أنا نبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملحمة».[388] وقد اختلف علماء الدين الإسلامي في أسماء كثيرة أخرى، فجعلها بعضهم كعدد أسماء الله الحسنى تسعة وتسعين اسمًا، وعدّ منها الجزولي في "دلائل الخيرات" 200 اسم، وأوصلها ابن دحية إلى 300 اسم. وقد كان من أهم أسباب الخلاف أن بعضهم رأى كل وصف وُصف به النبي في القرآن من أسمائه. في حين قال آخرون إن هذه أوصاف وليست أسماء أعلام.[389] قال النووي: «بعض هذه المذكورات صفات، فإطلاق الأسماء عليها إنما هو مجاز».[390] أما عن الأسماء "طه" و"يس" فهي ليست من أسمائه [391]، وإنما هذه الحروف مثل:"ألم"، "حم" ونحوها[392]



صفته الشكلية
 مقال تفصيلي :وصف النبي محمد
جمع المسلمون ما توارثوه الصحابة من وصف خلقة نبيّهم في كتب كثيرة عرفت بكتب الشمائل، وأشهر هذه الكتب هو (الشمائل المحمدية)، للترمذي. حيث ذكر فيه أحاديث كثيرة في وصفه، وكان مما جاء فيه مفرقًا:[393]


رسم على البلاط لأثر قدم النبي محمد والذي تركه على "الصخرة" التي عرج منها إلى السماء في رحلة الإسراء والمعراج، يعود تاريخها للعام 1706، وهي محفوظة الآن في متحف بيناكي للفن الإسلامي في أثينا في اليونان[394]. حيث يعتقد بعض المسلمون بأن قدمه تترك أثرًا دائمًا أينما جاب[395]
جسمه: كان فخمًا مفخمًا،[396] مربوعًا ليس بالطويل ولا بالقصير، وكان إلى الطول أقرب،[397] ولم يكن يماشي أحدًا إلا طاله. وقد كان أزهر اللون،[396] ليس بالأبيض الأمهق، ولا بالأسمر.[398]
رأسه وشعره: كان ضخم الرأس، عظيم الهامة، شديد سواد الشعر،[397] ولم يكن شعره شديد الجعودة ولا مرسل، بل كان فيه تثن قليل.[399] وقد كان كثّ اللحية، تُوفي وليس في رأسه ولحيته 20 شعرة بيضاء،[398]
ذراعاه ويداه: كان طويل الذراعين كثيرا الشعر، رحب الراحة غليظ الكفين والقدمين،[399] طويل الأطراف، ضخم المفاصل.
إبطاه: كان أبيض الإبطين، وهي من علامات نبوته بحسب المسلمين.
منكباه وصدره وبطنه: كان منكباه واسعين، كثيري الشعر، وكذا أعالي الصدر. وكان عاري الثديين والبطن، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، طويل المسربة موصول ما بين اللبة (النقرة التي فوق الصدر) والسرة بشعر يجري كالخيط.
خاتم النبوة: هي غُدّة حمراء مثل بيضة الحمامة،[400] أو مثل الهلال، فيها شعرات مجتمعات كانت بين كتفيه. وهي من علامات نبوته بحسب المسلمين.
وجهه وجبينه: كان مستو الوجه سهل الخدين،[397] ولم يكن مستديرًا غاية التدوير، وكان واسع الجبين[396] مستويًا.
عيناه وحاجباه: كان طويل شِق العينين،[401] شديد سواد العينين،[399] في بياضها حمرة، وكانت عيناه واسعتين ذات أهداب طويلة كثيرة. وكان حاجباه قويين مقوَّسين، متّصلين اتصالاً خفيفًا، بينهما عرق يدرّه الغضب.
أنفه: كان أنفه مستقيمًا، أقنى (طويلاً في وسطه بعض ارتفاع)، مع دقة في أرنبته (طرف الأنف).
فمه وأسنانه: كان واسع الفم،[401] في أسنانه رقة وتحدد، يقول واصفه «إذا تكلّم رؤي كالنور يخرج من بين ثناياه».
قدماه: كان ضخم القدمين‏، يطأ الأرض بقدمه كلها ليس لها أخمص (الجزء المرتفع عن الأرض من القدم)،[397] وكان منهوس العقبين (قليل لحم العَقِب).[401]



مقتنياته وآثاره


قطار الأمانات المقدسة الذي حمل أثار للنبي محمد لتركيا أثناء الحرب العالمية الأولى
 طالع أيضا :مقتنايات النبي محمد و أثر النبي محمد و البردة الشريفة


الغرفة التي تحوي بردة النبي محمد، في متحف الباب العالي في تركيا
كان من عادة النبي محمد تسمية دوابّه وسلاحه ومتاعه،[402] فكان اسم رايته‏ «العقاب‏»، واسم سيفه الذي يشهد به الحروب‏ «ذو الفقار‏»، وكان له سيوف غيره مثل «الرسوب‏» و«القضيب‏»، وكانت قبضة سيفه محلاة بالفضة‏، وكان اسم قوسه‏ «الكتوم‏».‏ واسم ناقته‏ «القصواء»، واسم بغلته‏ «دُلدُل‏»، واسم حماره «يعفور»، واسم شاته التي يشرب لبنها «عينة». وكان له مطهرة من فخار يتوضأ فيها ويشرب منها، فيرسل الناس أولادهم الصغار فيدخلون عليه فإذا وجدوا في المطهرة ماء شربوا منه ومسحوا على وجوههم وأجسادهم يبتغون بذلك البركة‏.‏[402] وقد احتفظ المسلمون ببعض هذه المقتنيات عبر التاريخ، فكانت في مصر في مسجد أثر النبي في جنوب القاهرة. وقد ظلّت هناك حتى وقعت الفتح العثماني عام 1517م حين دخل القاهرة السلطان العثماني سليم الأول فأخذ معه كل أثر النبي إلى اسطنبول، وبقيت هناك محفوظة إلى الآن في متحف الباب العالي.
أما ما يتعلق بالمشاهد والآثار في المدينة المنورة ومكة، فقد قام المسلمون بالحفاظ عليها إلى وقت ظهور الحركة الوهابية في نجد في عصر الخلافة العثمانية، إذ أقدمت الوهابية بعد سيطرتها على الحجاز على هدم معظم الآثار النبوية بدعوى خوف الشرك وسدا للذريعة،[403] ما جعل كثير من علماء السنة والشيعة ينادون بضرورة المحافظة على ما تبقى منها وعدم السماح لهدمها.[404][405][406] من هذه الآثار التي هُدمت: «مسجد بني قريظة»، الذي صلي فيه محمد أثناء حصار بني قريظة، و«مسجد أبي بكر الصديق»، الذي رابط عنده أبو بكر أثناء غزوة الخندق.[407] ومكان ولادة النبي محمد، ومكان عيشه في مكة، وبستان الصحابي سلمان الفارسي حيث كانت هناك نخلة غرسها محمد، وبيت الصحابي أبو أيوب الأنصاري، وبئر العين الزرقاء، وبئر أريس (بئر الخاتم)، وبئر حاء.[408]


جانب من حياته
يروي صحابته عنه أنه كان أحلم الناس وأشجع الناس وأعدل الناس وأعف الناس وأسخى الناس، لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وكان يخصف النعل ويرقع الثوب،[409] وما عاب مضجعًا، إن فرشوا له اضطجع وإن لم يُفرَش له اضطجع على الأرض، يمزح ولا يقول إلا حقًا، يضحك من غير قهقهة. وكان لا يثبت بصره في وجه أحد، وكان يقبل الهدية ويكافيء عليها، ولا يأكل الصدقة، يجيب الوليمة، ويعود مرضى مساكين المسلمين وضعفائهم، ويجالسهم ويؤاكلهم، ويتبع جنائزهم، ولا يصلي عليهم أحد غيره،[410] وكان يمشي وحده بين أعدائه بلا حارس، يقبل معذرة المعتذر إليه. وما شَتَم أحدًا من المؤمنين، وكان لا يصارح أحدًا بما يكرهه، وما ضرب شيئًا قط بيده، ولا امرأةً، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله،[411] وما انتقم من شيء صُنع إليه قط إلا أن تُنتَهك حرمة الله، وما خُيّر بين أمرين قطّ إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم.
«خدمت رسول الله  عشر سنين، فما قال
لي لشيء فعلتُه، "لم فعلتَه؟"، ولا لشيء لم أفعله،
"ألا فعلته؟"، وكان بعض أهله إذا عتبني على شيء
يقول "دعوه فلو قُضي شيء لكان"»[412]
— أنس بن مالك
وكان أبعد الناس غضبًا وأسرعهم رضًا. وكان يبدأ من لقيه بالسلام، وكان يمرّ على الصبيان فيسلم عليهم، وكان لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر الله، وكان أكثر جلوسه أن ينصب ساقيه جميعًا ويمسك بيديه عليهما شبه الحبوة، وما رُؤي قطّ مادًا رجليه بين أصحابه إلا أن يكون المكان واسعاً لا ضيق فيه، وكان أكثر ما يجلس مستقبل القبلة، ولم تكن تُرفَع في مجلسه الأصوات، وكان لا يدعوه أحد من أصحابه وغيرهم إلا قال‏ "لبيك"، ولا يُسأل شيئًا إلا أعطاه، وكان يجلس بين أصحابه مختلطًا بهم كأنه أحدهم، وكان أصحابه لا يقومون له لما عرفوا من كراهته لذلك، وكان أكثر الناس تبسمًا وضحكًا في وجوه أصحابه.[413] وكان يأكل مما يليه ويأكل بأصابعه الثلاث وربما استعان بالرابعة، وكان أحب الفواكه إليه البطيخ والعنب، وكان أكثر طعامه الماء والتمر، وكان أحب الطعام إليه اللحم، وكان يحب من الشاة الذراع، وكان لا يأكل الثوم ولا البصل، وما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه.[414] وكان يلعق أصابعه من الطعام حتى تحمرّ، وكان يشرب في ثلاث دفعات وله فيها ثلاث تسميات وفي أواخرها ثلاث تحميدات، وكان في بيته لا يسألهم طعامًا ولا يتشهاه عليهم إن أطعموه أكل وما أعطوه قبل وما سقوه شرب.[413] وكان يعصب الحجر على بطنه مرة من الجوع. كان يتكلم بجوامع الكلم لا فضول ولا تقصير، وكان جهير الصوت، لا يتكلم في غير حاجة ولا يقول المنكر، ولا يقول في الرضا والغضب إلا الحق، ويكنّي عما اضطره الكلام إليه مما يكره.[413]

معجزاته

يؤمن المسلمون جميعًا بأن المعجزة الكبرى للنبي محمد والتي تحدّى بها الناس هي القرآن.[351] ثم أثبت أغلبهم معجزات حسيّة أخرى لمحمد منسوبة إليه في كتب الحديث، وقد عارضها قومٌ لِمَا نزل في القرآن بأنّ محمدًا لم يُؤتَ معجزات إلا القرآن،[352] في آية ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾.[353] بينما تمسّك الأخرون بإثباتها باعتبار أنه لم يُقصَد بها التحدّي وإقامة الحجّة على صدق محمد، بل كانت تكريمًا له وتأييدًا، وعناية به.[351]







القرآن




المصحف العثماني، أقدم نسخة من القرآن
 مقالات تفصيلية :القرآن و الإعجاز العلمي في القرآن
بحسب اعتقاد المسلمين، فإنَّ القرآن هو معجزة النبي محمد الأساسية التي لم يستطع أحد على مر العصور أن يأتي بمثله بالرغم من تحدّيه بذلك،[354] حيث ورد في القرآن ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. ويتمثل إعجاز القرآن بشكل أساسي في بلاغته وفصاحته، فكان الإعجاز اللغوي هو أول وأهم أسباب إعجاز القرآن، والذي يشمل عدة أوجه، منها حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته، ومنها صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومنهاج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ووقفت عليه مقاطع آياته وانتهت إليه فواصل كلماته ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له.[354] ومن وجوه الإعجاز الأخرى ما انطوى عليه من الأخبار بالمغيبات وما لم يكن فوجد كما ورد، وما أنبأ به من أخبار القرون الماضية والشرائع السالفة.[354] وحديثًا ظهر تيار يعتقد بوجود إعجاز علمي في القرآن، حيث تفسر بعض الآيات على أنها تثبت نظريات علمية لم يكتشفها العالم إلا بعد فترة طويلة جدًا من ظهور القرآن.[355]




انشقاق القمر




صورة لأخدود وُجد على سطح القمر أُخدت من قبل طاقم أبولو 10،[356] ويعتقد علماء المسلمين بأنه نتيجة معجزة انشقاق القمر[357]
 مقال تفصيلي :انشقاق القمر
أجمع المفسرون وأهل السنة من المسلمين على وقوع معجزة انشقاق القمر لأجل النبي محمد،[358] كإحدى المعجزات الباهرات،[359] وكان ذلك قبل الهجرة إلى المدينة المنورة.[359] قال عبد الله بن مسعود «انشق القمر على عهد رسول الله  فرقتين؛ فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله : «اشهدوا». وقال المشركون: هذا سحرٌ سحركم ابن أبي كبشة، ولكن انظروا إلى من يقدم من السفّار فسلوهم، فقدِموا فسَألوهم فقالوا: رأيناه قد انشق».[360][361] وفي ذلك نزلت آية من القرآن ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾.[359] يرى معظم المؤرخين الغربيين عدم مصداقية هذه المعجزة محتجين إنكار القران نفسه بحدوث معجزات.[362][363] كما ينكر علماء الفضاء وجود دليل علمي على حدوث انشقاق في القمر.[364]


إخباره عن الغيب


من ذلك إخباره يوم غزوة بدر بمصارع قريش، فلم يحد أحد منهم مصرعه الذي عيّنه،[365] وإخباره عن الحسن بن علي بن أبي طالب أن الله سيصلح به بين فئتين من المسلمين.[366] وإخباره أن ابنته فاطمة أول أهله لحوقًا به بعد موته،[367] وإخبارهه بشأن كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بنية المسلمين بفتح مكة،[368] ومن ذلك ما قاله حذيفة بن اليمان «قام فينا رسول الله  مقامًا فما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه.. والله ما ترك رسول الله  من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدًا إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته».[368]




نبوع الماء من بين أصابعه




الحجرة النبوية والتي كُتب حولها قصيدة تبقّى منها أبيات تشير لمعجزة نبوع الماء: «يَا مَن تفجّرتِ الأنهَارُ نابعةً ** مِن أُصبَعيهِ فَرَوَى الجَيشَ بالمدَدِ»
تروي كتب الحديث والسيرة وقوع معجزة نبوع الماء من بين أصابع النبي محمد ولم تكن لأحد قبله، والتي قد تكررت في عدة مواطن،[369] حتى عدّ فقهاء المسلمين أن ذلك الماء أشرف أنواع المياه.[370] يروي أنس بن مالك أحد تلك الحوادث قائلاً «رأيت رسول الله  وحانت صلاة العصر، فالتمس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله  بوضوء، فوضع رسول الله  يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم».[371][372]
في نفسي»،[382] فأصبح ذلك الرجل بصيرًا.


بعد وفاته


بعد وفاة محمد اختلف أتباعه على هوية الشخص الذي سيخلفه في الحكم،[343] حيث اجتمع جماعة من المسلمين في سقيفة بني ساعدة فرشح سعد بن عبادة نفسه وأيده في ذلك الأنصار،[344] في حين رشح عمر بن الخطاب أبا بكر مؤكدًا على أحقية المهاجرين في الخلافة. ولقي هذا الترشيح تأييد المسلمين ممن كانوا في السقيفة.[345] في حين تأخرت بيعة من كان من الصحابة بصحبة علي بن أبي طالب والذي كانوا منشغلين بتجهيز جثمان محمد ودفنه، فتأخرت بيعتهم يومًا واحدًا[346] عتبًا على أبي بكر لعدم أخذ المشورة منهم،[346] بينما يرى الشيعة أن عليًا ومن معه قد بايعوا أبا بكر مجبَرين، لما يرونه أن عليًا كان أحق من أبي بكر بالخلافة.[347] نشأ من تلك الحادثة الخلاف التاريخي بين طائفتي السنة والشيعة.
بعد استقرار الأمر لأبي بكر في المدينة، عمل على حماية المدينة ومحاربة بعض القبائل التي ارتدت عن الإسلام ومنعت الزكاة،[348] وبعض ممن اعتبرهم المسلمون مدعي النبوة، فيما عرف تاريخيًا بحروب الردّة، مثل معركة اليمامة لقتال بني حنيفة والذي ادّعى فيهم مسيلمة بن حبيب النبوة.[349] كما أرسل أبو بكر جيش أسامة بن زيد لمحاربة الروم رغم اعتراض البعض لصغر سن قائدها ولانتشار الردة في بعض الصفوف.[348] ثم سار أسامة فكان لا يمرّ بقبيلة انتشر فيها الارتداد إلا أرجعها إلى الإسلام. ولما وصل أسامة إلى بلاد الروم قاتلوهم وانتصر المسلمون.[348] كما عمل أبو بكر على توسيع نفوذ الدولة بإرسال قوات عسكرية إلى مختلف المناطق.[350]

وفاته


كان أوّل ما أُعلم به النبي محمد باقتراب أجله ما أُنزل عليه في فتح مكة،[327] من سورة الفتح ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.[328] وكان ابتداءُ مرضه الذي تُوفي فيه أواخر شهر صفر سنة 11 هـ بعد أن أمر أسامة بن زيد بالمسير إلى أرض فلسطين، لمحاربة الروم،[329] فاستبطأ الناس في الخروج لوجع محمد. وكان أول ما ابتدىء به من وجعه أنه خرج إلى البقيع ليلاً فاستغفر لهم ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح ابتدىء وجعه، وكان صداع الرأس مع حمّى،[327] ويُروى أنّ سبب مرضه كان السمّ الذي دُسّ له في طعام وهو في خيبر،[330] وكان من شدّة وجعه أن كان يُغمى عليه في اليوم الواحد مرات عديدة.[331] حتى دعا نساءه يستأذنهن في أن يُمرّض في بيت عائشة بنت أبي بكر، فانتقل إلى بيتها يمشي بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب.[329]
وفي أحد الأيام خرج محمد على أصحابه عاصبًا رأسه، حتى جلس على المنبر فقال «عبدٌ خيّره الله بين أن يؤتيَه زهرةَ الدنيا وبين ما عنده، فاختارَ ما عنده»، ففهم أبو بكر وبكى وقال «فديناك بآبائنا وأمّهاتنا»، فقال محمد «إنّ أمنّ الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلاً، لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلاً، ولكن إخوة الإسلام. لا تبقينَّ في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر»،[332][معلومة 18] ثم خطب فيهم مرات عديدة دعا فيها إلى إنفاذ جيش أسامة بن زيد، وأوصى المسلمين بالأنصار خيرًا.[333] ولما ثقُل عليه المرض، أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، وعاد جيش أسامة بن زيد إلى المدينة بعد أن عسكر خارجها منتظرًا ماذا يحلّ بمحمد.[333] وقبل وفاته بستة أيام تجمع عنده عدد من الصحابة فقال لهم وهو يبكي «مرحبًا بكم وحيّاكم الله، حفظكم الله، آواكم الله، نصركم الله، رفعكم الله، هداكم الله، رزقكم الله، وفقكم الله، سلمكم الله، قبلكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم، وأستخلفه عليكم».[334] وكانت عامة وصيته حين حضره الموت «الصلاة، وما ملكت أيمانكم».[335]
«لما قُبض رسول الله  أظلمت المدينة
حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض، وكان أحدنا
يبسط يده فلا يراها أو لا يبصرها وما فرغنا
من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا»[336]
— أنس بن مالك
ولما كان يوم الإثنين الذي توفي فيه، بعد 13 يومًا على مرضه،[327] خرج إلى الناس وهم يصلون الصبح ففرحوا به، ثم رجع فاضطجع في حجر عائشة بنت أبي بكر، فتُوفي وهو يقول «بل الرفيق الأعلى من الجنة»، وكان ذلك ضحى يوم الإثنين ربيع الأول سنة 11 هـ،[333] الموافق 8 يونيو سنة 632م وقد تّم له 63 سنة.‏[337] فلما توفي قام عمر بن الخطاب، فقال «والله ما مات رسول الله ، وليبعثنه الله فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم»،[338] وجاء أبو بكر مسرعًا فكشف عن وجهه وقبّله، وقال «بأبي أنت وأمّي، طبتَ حيًا ميّتًا»، ثم خرج وخطب بالنّاس قائلاً «ألا من كان يعبد محمدًا ، فإنّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت»، وقرأ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾.[338] قيل «فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ».[329] وقالت ابنته فاطمة الزهراء «يا أبتاه، أجاب ربا دعاه. يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه. يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه».[339]
ثم أقبل الناس يوم الثلاثاء على تجهيز محمد، فقام علي بن أبي طالب والعباس بن عبدالمطلب والفضل بن العباس وقثم بن العباس وأسامة بن زيد وشقران مولى محمد، بتغسيله وعليه ثيابه.[340] ثم قام الصحابة برفع فراش محمد الذي توفي عليه في بيت عائشة، فحفر أبو طلحة الأنصاري له قبرًا تحته. ثم دخل الناس يصلون عليه أرسالاً، دخل الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان، ولم يؤم الناس أحد. ثم أنزله القبرَ عليّ والعباس وولداه الفضل وقُثَم، ورشّ قبره بلال بالماء، ورُفع قبره عن الأرض قدر شبر،[341] وكان ذلك في جوف الليل من ليلة الأربعاء.[329]

حجة الوداع


بعد وقت قصير من فتح مكة، تحالفت قبائل هوزان وثقيف وبعضٌ من بني هلال،[291] وعزموا أمرهم على حرب المسلمين، فخرجوا ومعهم أموالهم وعيالهم ونساؤهم، ما يجعلهم يقاتلون حتى الموت.[292] فلما سمع بهم محمد وهو في مكة خرج في غزوة حنين يوم السبت 6 شوال سنة 8 هـ،[291] وكان ذلك اليوم التاسع عشر من يوم دخوله مكة،[293] وخرج معه 12,000 مقاتل،[294] فأصاب بعضهم العُجب لكثرة الجيش فقالوا «لن نُغلَب اليوم من قِلّة».[295] ولما وصل المسلمون "وادي حُنين" بغتتهم هوزان وهاجموهم بفخّ كانوا قد نصبوه لهم،[292] فهرب المسلمون وثبت محمد ونفر من المهاجرين وأهل بيته،[294][معلومة 17] فجعل محمد ينادي «أنا النَّبيُّ لا كذب، أنا ابنُ عبدِ المُطَّلب»،[296] فعطف المسلمون عليه راجعين بسيوفهم ورماحهم، ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه هوزان، ثم قال «انهزموا وربَّ مُحمّد!»،[297] ثم انهزمت هوزان وثقيف وهرب معظمهم إلى الطائف.[293] وأُنزل من القرآن ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.


أنفق عثمان بن عفان في تجهيز "جيش العسرة" نفقة لم ينفق أحد مثلها،[298] بلغت 900 بعير و100 فرس و1000 دينار،[299] حتى قال عنه محمد «اللهم ارضَ عن عثمان، فإنّي عنه راض»[300]
بعد أن فرغ محمد من غزوة حنين، وفي الشهر نفسه،[301] توجّه إلى الطائف مطاردًا هوزان وثقيف بعد أن تحصنوا فيها، فكانت غزوة الطائف، فحاصرتهم الجيوش الإسلامية 40 يومًا،[302] فاستعصوا وتمنعوا، وقتلوا جماعة من المسلمين بالنبل وغيره. فلما طال الحصار قال محمد «لم يُؤذَن لنا حتى الآن فيهم، وما أظن أن نفتحها الآن»،[303] وأمر الناس بالرجوع وفكّ الحصار،[304] حتى وصلوا "الجعرانة"، فأتاه وفد هوازن هنالك مسلمين.[301]
في رجب سنة 9 هـ،[305] حدثت غزوة تبوك آخر غزوات محمد،[306] بعد أن وصلت أخبار من بلاد الروم تفيد أنَّ ملك الروم وحلفاءه من العرب من لخم وجذام وغسان وعاملة،[307] قد هيؤوا جيشًا لمهاجمة الدولة الإسلامية.[298]، فحثّ الناس إلى الخروج وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا بسبب الحرّ الشديد والسفر البعيد،[305] وأرسل إلى القبائل العربية يستنفرهم على قتال الروم، فخرج في 30,000 مقاتل،[308] تصحبهم 10,000 فرس، واستخلف محمد بن مسلمة على المدينة المنورة،[307] وتخلف عدد من المسلمين بلا عذر منهم كعب بن مالك وهلال بن ربيع ومرارة بن الربيع وأبو خيثمة السالمي وأبو ذر الغفاري (وقد لحق به أبو ذر وأبو خيثمة لاحقًا)،[309] وقطعوا آلاف الأميال عانوا خلالها العطش والجوع والحرّ وقلّة وسائل الركوب،[309] قسُميت لذلك "غزوة العُسرة"، والجيش بـ "جيش العُسرة".[298] فلما وصل تبوك، أقام فيها 20 ليلةً،[309] فلما سمع الرومان وحلفاؤهم بزحف الجيوش الإسلامية أخذهم الرعب، وتفرقوا في البلاد في داخل حدودهم،[299] ثم انصرف جيش المسلمين من تبوك بلا قتال، وقدم المدينة المنورة في شهر رمضان سنة 9 هـ،[305] وجعل المسلمون يبيعون أسلحتهم ويقولون «قد انقطع الجهاد»، فبلغ ذلك محمد فنهاهم وقال «لا تزال عصابةٌ من أمّتي يجاهدون على الحقّ حتى يخرج الدجال».[307] وقد نزلت آيات كثيرة من سورة التوبة حول تلك الغزوة وظروفها.[299] ويشكك العديد من المؤرخين بحدوث هذه الغزوة مستندين على عدم وجود ذكر لها في أي مصادر غير إسلامية.[310]


رسم يدوي مطابق لما تبقى من الحجر الأسود
وفي نفس شهر رمضان، قدم وفد من ثقيف المدينة المنورة مسلمين.[311] ثم في ذي القعدة أو ذي الحجة من سنة 9 هـ بعث محمد أبا بكر أميرًا على الحج، ليقيم بالمسلمين المناسك. فخرج في 300 رجل من المدينة وبعث معه محمد 20 بَدَنة.[312] وفي تلك الفترة بدأت مختلف قبائل العرب بالوفود على محمد في المدينة وإعلان إسلامها،[299] والتي كان لغزوة تبوك وإسلام ثقيف ومن قبل فتح مكة السبب الأكبر في تلك الوفود.[313] فجاء ما يقارب السبعين وفدًا بين عامي 9 هـ و10 هـ للمدينة لإعلان إسلامهم،[314] حتى سُمّي عام 9 هـ بعام الوفود.[313] فكان ممن جاءوا وفد قبيلة عبد القيس، وقبيلة دَوس، وقبيلة همدان، ووفد نجران، وبنو عذرة، وقبيلة بَلِي، وبني حنيفة، وبني عامر بن صعصعة، وقبيلة طيء، وبنو تجيب، وغيرهم.[314]

الصراع مع القبائل العربية


بعد وقت قصير من فتح مكة، تحالفت قبائل هوزان وثقيف وبعضٌ من بني هلال،[291] وعزموا أمرهم على حرب المسلمين، فخرجوا ومعهم أموالهم وعيالهم ونساؤهم، ما يجعلهم يقاتلون حتى الموت.[292] فلما سمع بهم محمد وهو في مكة خرج في غزوة حنين يوم السبت 6 شوال سنة 8 هـ،[291] وكان ذلك اليوم التاسع عشر من يوم دخوله مكة،[293] وخرج معه 12,000 مقاتل،[294] فأصاب بعضهم العُجب لكثرة الجيش فقالوا «لن نُغلَب اليوم من قِلّة».[295] ولما وصل المسلمون "وادي حُنين" بغتتهم هوزان وهاجموهم بفخّ كانوا قد نصبوه لهم،[292] فهرب المسلمون وثبت محمد ونفر من المهاجرين وأهل بيته،[294][معلومة 17] فجعل محمد ينادي «أنا النَّبيُّ لا كذب، أنا ابنُ عبدِ المُطَّلب»،[296] فعطف المسلمون عليه راجعين بسيوفهم ورماحهم، ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه هوزان، ثم قال «انهزموا وربَّ مُحمّد!»،[297] ثم انهزمت هوزان وثقيف وهرب معظمهم إلى الطائف.[293] وأُنزل من القرآن ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.


أنفق عثمان بن عفان في تجهيز "جيش العسرة" نفقة لم ينفق أحد مثلها،[298] بلغت 900 بعير و100 فرس و1000 دينار،[299] حتى قال عنه محمد «اللهم ارضَ عن عثمان، فإنّي عنه راض»[300]
بعد أن فرغ محمد من غزوة حنين، وفي الشهر نفسه،[301] توجّه إلى الطائف مطاردًا هوزان وثقيف بعد أن تحصنوا فيها، فكانت غزوة الطائف، فحاصرتهم الجيوش الإسلامية 40 يومًا،[302] فاستعصوا وتمنعوا، وقتلوا جماعة من المسلمين بالنبل وغيره. فلما طال الحصار قال محمد «لم يُؤذَن لنا حتى الآن فيهم، وما أظن أن نفتحها الآن»،[303] وأمر الناس بالرجوع وفكّ الحصار،[304] حتى وصلوا "الجعرانة"، فأتاه وفد هوازن هنالك مسلمين.[301]
في رجب سنة 9 هـ،[305] حدثت غزوة تبوك آخر غزوات محمد،[306] بعد أن وصلت أخبار من بلاد الروم تفيد أنَّ ملك الروم وحلفاءه من العرب من لخم وجذام وغسان وعاملة،[307] قد هيؤوا جيشًا لمهاجمة الدولة الإسلامية.[298]، فحثّ الناس إلى الخروج وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا بسبب الحرّ الشديد والسفر البعيد،[305] وأرسل إلى القبائل العربية يستنفرهم على قتال الروم، فخرج في 30,000 مقاتل،[308] تصحبهم 10,000 فرس، واستخلف محمد بن مسلمة على المدينة المنورة،[307] وتخلف عدد من المسلمين بلا عذر منهم كعب بن مالك وهلال بن ربيع ومرارة بن الربيع وأبو خيثمة السالمي وأبو ذر الغفاري (وقد لحق به أبو ذر وأبو خيثمة لاحقًا)،[309] وقطعوا آلاف الأميال عانوا خلالها العطش والجوع والحرّ وقلّة وسائل الركوب،[309] قسُميت لذلك "غزوة العُسرة"، والجيش بـ "جيش العُسرة".[298] فلما وصل تبوك، أقام فيها 20 ليلةً،[309] فلما سمع الرومان وحلفاؤهم بزحف الجيوش الإسلامية أخذهم الرعب، وتفرقوا في البلاد في داخل حدودهم،[299] ثم انصرف جيش المسلمين من تبوك بلا قتال، وقدم المدينة المنورة في شهر رمضان سنة 9 هـ،[305] وجعل المسلمون يبيعون أسلحتهم ويقولون «قد انقطع الجهاد»، فبلغ ذلك محمد فنهاهم وقال «لا تزال عصابةٌ من أمّتي يجاهدون على الحقّ حتى يخرج الدجال».[307] وقد نزلت آيات كثيرة من سورة التوبة حول تلك الغزوة وظروفها.[299] ويشكك العديد من المؤرخين بحدوث هذه الغزوة مستندين على عدم وجود ذكر لها في أي مصادر غير إسلامية.[310]


رسم يدوي مطابق لما تبقى من الحجر الأسود
وفي نفس شهر رمضان، قدم وفد من ثقيف المدينة المنورة مسلمين.[311] ثم في ذي القعدة أو ذي الحجة من سنة 9 هـ بعث محمد أبا بكر أميرًا على الحج، ليقيم بالمسلمين المناسك. فخرج في 300 رجل من المدينة وبعث معه محمد 20 بَدَنة.[312] وفي تلك الفترة بدأت مختلف قبائل العرب بالوفود على محمد في المدينة وإعلان إسلامها،[299] والتي كان لغزوة تبوك وإسلام ثقيف ومن قبل فتح مكة السبب الأكبر في تلك الوفود.[313] فجاء ما يقارب السبعين وفدًا بين عامي 9 هـ و10 هـ للمدينة لإعلان إسلامهم،[314] حتى سُمّي عام 9 هـ بعام الوفود.[313] فكان ممن جاءوا وفد قبيلة عبد القيس، وقبيلة دَوس، وقبيلة همدان، ووفد نجران، وبنو عذرة، وقبيلة بَلِي، وبني حنيفة، وبني عامر بن صعصعة، وقبيلة طيء، وبنو تجيب، وغيرهم.[314]